
ترك برس
في قلب منطقة البحيرات غرب تركيا، حيث تتقاطع طرق الأناضول التاريخية وتتعانق الطبيعة مع آثار الحضارات القديمة، تقف مدينة أنطاكيا القديمة في بيسيديا، التابعة لقضاء يالفاتش بولاية إسبرطة، شاهدة على قرون من التحولات السياسية والدينية والعمرانية. وتكشف أطلال المدينة، بما تضمه من معابد وبوابات أثرية وشوارع مرصوفة وبقايا كنائس ومسرح روماني، عن مركز حضاري بارز ازدهر في العهد الروماني، واحتفظ بمكانة مهمة في تاريخ المسيحية المبكرة.
وتقع المدينة الأثرية على بعد نحو كيلومتر واحد شمال شرقي مركز يالفاتش، فوق تل يصل ارتفاعه إلى 1236 مترا، في موقع استراتيجي ضمن منطقة البحيرات التي تربط بين البحر المتوسط وبحر إيجه ووسط الأناضول. ووفق وزارة الثقافة والسياحة التركية، يمتد الأكروبوليس، أو المدينة العليا المحاطة بالأسوار، على مساحة تبلغ 46 هكتارا، فيما يُقدّر عدد سكان أنطاكيا القديمة خلال العصر الروماني بنحو 70 ألف نسمة.
من الممالك الهلنستية إلى الازدهار الروماني
تعود نشأة أنطاكيا بيسيديا، بحسب المعلومات الرسمية التركية، إلى القرن الثالث قبل الميلاد، عندما أسستها الأسرة السلوقية في سياق ترسيخ نفوذها في الأناضول. واكتسبت المدينة أهمية استراتيجية بفضل موقعها المرتفع وإشرافها على محيطها، قبل أن تدخل مرحلة جديدة من الازدهار مع امتداد السيطرة الرومانية إلى المنطقة.
وخلال حكم الإمبراطور أغسطس، تحولت أنطاكيا إلى مستعمرة رومانية حملت اسم «كولونيا قيصرية أنطاكيا»، وأصبحت مركزا إداريا وعمرانيا مهما. وانعكس هذا التحول على تخطيط المدينة ومنشآتها العامة، التي شملت الشوارع الرئيسية والساحات والمعابد والحمامات والنوافير والمسرح، إلى جانب المنشآت الدفاعية التي أحاطت بالمدينة.
ولم تقتصر أهمية أنطاكيا على دورها السياسي والعمراني؛ إذ أصبحت أيضا محطة بارزة في تاريخ المسيحية المبكرة، بعدما زارها القديس بولس في القرن الأول الميلادي، وأسهمت صلاتها بالطرق الإقليمية في تعزيز مكانتها الدينية. واستمر حضورها خلال العصور اللاحقة، قبل أن تتراجع مكانتها تدريجيا مع التحولات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما الغارات العربية التي أضعفت السيطرة البيزنطية على أجزاء منها.
بوابة غربية تروي عظمة المدينة
تستقبل البقايا الأثرية للمدينة زوارها عند البوابة الغربية، التي تمثل أحد أبرز معالمها المعمارية. وكانت البوابة، المطلة على السهل من الجهة الغربية والمتصلة بأسوار المدينة، المدخل الرئيسي لأنطاكيا القديمة، وقد صُممت على هيئة قوس نصر ذي ثلاثة مداخل مقوسة.
وتشير بيانات وزارة الثقافة والسياحة التركية إلى أن البوابة يبلغ ارتفاعها نحو 12 مترا وعرضها 24 مترا، وهي من المنشآت التي تعكس الطابع التذكاري للعمارة الرومانية. كما تتضمن زخارفها نقوشا بارزة، من بينها تصوير لشخصيتين فارسيتين تحملان رايات ومعايير عسكرية، إلى جانب أشكال مجنحة مرتبطة بالرمزية الانتصارية في الفن القديم.
وقد ظهرت البوابة بوضوح خلال أعمال التنقيب التي أجرتها جامعة ميشيغان في عشرينيات القرن الماضي، لتصبح لاحقا أحد المعالم الرئيسية في دراسة تخطيط المدينة وتاريخها العمراني.
وبمجرد عبور البوابة، ينفتح الطريق أمام شبكة من الشوارع التي تكشف عن تخطيط حضري منتظم، يتوافق مع الأنماط المعروفة في عدد من المدن الهلنستية والرومانية. وتُظهر الدراسات الأثرية أن أنطاكيا اعتمدت محاور رئيسية متقاطعة بزوايا قائمة، بما أتاح تنظيم الحركة وربط المرافق العامة والمناطق الدينية والإدارية.
ومن أبرز هذه المحاور شارع «ديكومانوس ماكسيموس» الممتد انطلاقا من البوابة الغربية، وشارع «كاردو ماكسيموس» الذي يبدأ من منطقة النافورة الأثرية. ويلتقي الشارعان بالقرب من ساحة تيبيريوس، التي شكلت إحدى المساحات المهمة في النسيج الحضري للمدينة.
معبد أغسطس.. مركز ديني فوق صخور المدينة
على واحدة من أعلى النقاط في أنطاكيا القديمة، يقع مجمع معبد أغسطس، الذي يعد من أبرز شواهد المرحلة الرومانية في المدينة. ويصل الزائر إلى المنطقة المقدسة عبر مدخل تذكاري يعرف باسم «البروبيلون»، وهو مدخل معماري مهيب صُمم ليكون بوابة انتقال إلى الحيز الديني.
ويكشف الموقع عن براعة المعماريين القدماء في التعامل مع التضاريس؛ إذ جرى نحت الصخور وتسويتها لإنشاء مساحة مناسبة لإقامة المعبد، بما أتاح استغلال الموقع المرتفع وإبراز البناء في المشهد العام للمدينة.
وتشير المعطيات الأثرية إلى أن تشييد المعبد ربما بدأ في حياة الإمبراطور أغسطس، قبل أن يُكرّس له بعد وفاته. غير أن المكان قد يكون أقدم من المنشأة الرومانية الظاهرة؛ إذ توحي بعض الشواهد، ومنها الزخارف التي تتضمن رؤوس ثيران، باحتمال استخدام المنطقة في طقوس دينية سابقة.
وتربط الدراسات تاريخ الموقع بالمعتقدات المحلية القديمة، ولا سيما عبادة الإلهة الأم كيبيلي وإله القمر مين، اللذين كان لهما حضور في الأناضول. ويُرجح أن الموقع الديني الأقدم أُعيد توظيفه في العصر الروماني ليصبح مركزا لعبادة الإمبراطور، في انعكاس للتداخل بين المعتقدات المحلية والتقاليد الدينية والسياسية الرومانية.
ولا تقتصر أهمية المجمع على قيمته المعمارية، بل تمتد إلى علاقته بالنقوش التاريخية المرتبطة بالإمبراطور أغسطس، التي تساعد على فهم طبيعة الحكم الروماني وطريقة تقديم إنجازات الإمبراطور في المدن التابعة له.
بازيليك القديس بولس.. شاهد على المسيحية المبكرة
في الجهة الشمالية الغربية من المدينة، تبرز بقايا بازيليك القديس بولس، أحد أهم المعالم الدينية في أنطاكيا القديمة، التي تحتل مكانة خاصة في دراسة تطور العمارة المسيحية المبكرة في الأناضول.
وتبلغ أبعاد المبنى نحو 70 مترا طولا و27 مترا عرضا، ويمتد من الشرق إلى الغرب، مع مدخل غربي وممرات داخلية تنتهي بحنية نصف دائرية. ويتألف مخططه من ثلاثة أروقة رئيسية، وهو نمط معماري أصبح من السمات المميزة للكنائس البازيليكية في العصور المسيحية الأولى.
وشهد المبنى تعديلات في مرحلة لاحقة، يُرجح أنها تعود إلى أواخر القرن الرابع الميلادي. وتشير نتائج الأبحاث إلى أن مستوى داخليا جديدا أُنشئ، وأن أرضية الرواق الأوسط زُينت بفسيفساء ذات أشكال هندسية ونباتية، فيما أضيف فناء مرصوف بالرخام في الجهة الشمالية.
ورغم أن الفسيفساء المكتشفة خلال أعمال التنقيب المبكرة أصبحت مغطاة بطبقة من التراب، فإن التقارير والصور الأثرية تتيح التعرف على جانب من تفاصيلها الفنية. كما تساعد التعديلات التي طرأت على المبنى في تتبع تطور استخدامه ووظيفته عبر الزمن.
وتكتسب البازيليك أهمية إضافية في ضوء الصلات التاريخية بين المدينة والقديس بولس، الذي زار أنطاكيا بيسيديا خلال رحلاته التبشيرية في القرن الأول الميلادي. وقد أسهمت هذه الصلات في ترسيخ مكانة المدينة ضمن الجغرافيا الدينية للمسيحية المبكرة، قبل أن تواصل دورها بوصفها مركزا كنسيا في القرون اللاحقة.
المسرح الروماني.. معلم ضخم لا تزال تفاصيله مدفونة
على مقربة من البوابة الغربية، وعلى امتداد الطريق الصاعد نحو المدينة العليا، تقع بقايا المسرح القديم، الذي يعكس جانباً آخر من الحياة الاجتماعية والثقافية في أنطاكيا.
ورغم أن أجزاء كبيرة من مدرجاته وعناصره المعمارية لم تعد ظاهرة، فإن أعمال التنقيب الحديثة أظهرت أن واجهته كانت تمتد لنحو 100 متر، وأن زاوية مدرجاته كانت أوسع من نصف دائرة كاملة. وتدل هذه الأبعاد على أن المسرح كان منشأة كبيرة مقارنة بمسارح عدد من المدن القديمة في منطقة بيسيديا.
وتشمل العناصر الأصلية للمسرح المدرجات المخصصة للجمهور، والممر الأفقي الذي يقسمها، والسلالم الشعاعية، والمداخل الجانبية، إضافة إلى ساحة الأوركسترا ومبنى خشبة العرض. إلا أن تحديد الشكل الكامل لهذه العناصر يظل صعبا في ضوء حالة الموقع الراهنة.
وكان الرحالة البريطاني فرانسيس فيفيان أروندل قد وصف المسرح خلال رحلته عام 1833، مشيرا إلى أن كثيرا من درجاته كانت قد أزيلت بالفعل. وتكشف هذه الملاحظة عن حجم التغيرات التي تعرض لها الموقع على مدى القرون الماضية، سواء بفعل عوامل الزمن أو إعادة استخدام الأحجار في منشآت أخرى.
ويرجح الباحثون أن بعض عناصر المسرح تعود إلى السنوات الأولى لتأسيس المستعمرة الرومانية، مع احتمال امتداد أجزاء من تاريخه المعماري إلى العصر الهلنستي. لكن الوصول إلى نتائج أكثر دقة بشأن مراحل بنائه وتطوره يتطلب استمرار أعمال التنقيب والدراسة.
اكتشافات متواصلة ومتحف يحفظ ذاكرة المدينة
لم تتوقف أهمية أنطاكيا القديمة عند ما يظهر فوق سطح الأرض؛ فقد كشفت أعمال البحث والتنقيب عن أجزاء من تاريخها المعماري والديني، فيما أسهمت الدراسات الجيوفيزيائية الحديثة في تحديد مواقع منشآت أخرى لا تزال مدفونة تحت التربة.
وبدأت الأبحاث الحديثة في الموقع مطلع القرن العشرين، قبل أن تتوسع أعمال التنقيب خلال عشرينيات القرن الماضي، ثم تتواصل في مراحل لاحقة تحت إشراف جهات أثرية تركية. ومنذ عام 2008، استؤنفت أعمال التنقيب ضمن برنامج للحفريات العلمية، بحسب وزارة الثقافة والسياحة التركية.
وتحفظ مقتنيات متحف يالفاتش جانبا مهما من المكتشفات المرتبطة بالمدينة ومحيطها، بما في ذلك التماثيل والقطع الرخامية والفخارية والمعدنية، إلى جانب نماذج من الفنون الدينية والجنائزية. ومن أبرز القطع المعروضة تماثيل لآلهة وشخصيات أسطورية، فضلا عن أجزاء من النقش المعروف باسم «أعمال أغسطس الإلهي»، الذي يسجل إنجازات الإمبراطور الروماني.
ويشكل المتحف امتدادا مهما للزيارة الأثرية، إذ يتيح للمهتمين بالتاريخ الاطلاع على القطع المكتشفة في سياقها الحضاري، وفهم الصلات بين العمارة والفنون والمعتقدات التي ميزت المدينة في مراحلها المختلفة.
وجهة تجمع التاريخ والآثار والسياحة الثقافية
تقدم أنطاكيا القديمة في يالفاتش نموذجا غنيا للتنوع الحضاري الذي عرفته الأناضول، حيث تتجاور شواهد المدن الهلنستية والمنشآت الرومانية والعمارة المسيحية المبكرة ضمن موقع واحد. وتتيح آثارها للزائر قراءة تاريخ المنطقة من خلال تفاصيل عمرانية تمتد من تخطيط الشوارع إلى المعابد والبوابات والمساحات العامة.
كما أن موقعها ضمن منطقة البحيرات، وقربها من مركز يالفاتش، يمنحانها قيمة إضافية في مسارات السياحة الثقافية في ولاية إسبرطة، التي تجمع بين المواقع الأثرية والطبيعة الريفية والتراث المحلي.
وبينما لا تزال أجزاء من المدينة القديمة تنتظر الكشف عنها، تواصل أنطاكيا بيسيديا تقديم شواهد جديدة على تاريخ الأناضول، مؤكدة أن ما بقي فوق الأرض ليس سوى جزء من حكاية حضارية أوسع، لا تزال الأبحاث الأثرية تعمل على استكمال فصولها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










