مولاي علي الأمغاري - خاص ترك برس

أول من اكتوى بنار إرهاب تنظيم الدولة "أتباع البغدادي" هو الشعب السوري، فمنذ 2013 وأهل الشام يعانون من همجية تنظيم الدولة وبربريته، فلا بشر رحم ولا حجر ترك ولا شجر رعى، ولوعي الشعب السوري وثقافته وعلمه بدينه وعقيدته، تيقن أن تنظيم البغدادي لا علاقة له بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد، بل منهجه مخالف تماما لمنهج الإسلام ومقاصده السامية والتي شعارها قول الله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" الآية 107 من سورة الأنبياء.

لذا أطلق الشعب السوري على تنظيم الدولة الإسلامية لقب "داعش" اختصارًا لاسمه، وتنزيها للإسلام عن بربرية وهمجية هذا التنظيم الإرهابي، وكذلك فعلوا مع مليشيا حسن نصر الله فأطلقوا عليها "حالش" بدل حزب الله، ثم كتب لهذا الاختصار أن ينتشر في وسائل الإعلام العربية والعالمية فأصبح المصطلح الأول الذي يعبر عن تنظيم البغدادي الإرهابي، إلا بعض الأقلام والمنابر والتي لا تخفي حقدها للإسلام عبر الإصرار على مصطلح "تنظيم الدولة الإسلامية" نكاية في المسلمين ودينهم.

في الأيام القليلة الماضية تبنى تنظيم "داعش الإرهابي" عدة عمليات إرهابية ابتداء من تفجير الطائرة الروسية في سماء سيناء، وما نتج عنها من تنكر لنظام السيسي الانقلابي وانهيار السياحة المصرية، ثم تفجير "برج البراجنة" بالضاحية الجنوبية لبيروت في لبنان وما خلف من ضحايا و رسائل مباشرة "لحالش" من ورائه، ثم العمليات الإرهابية المركبة والخطيرة والتي أطفأت أنوار باريس وجعلتها تعيش ليلة رعب، اعتبرها الكثير سابقة في تاريخ فرنسا الحديث.

قبل هجمات باريس الإرهابية  كانت الصحف الفرنسية تصف تنظيم داعش الإرهابي في كثير من مقالاتها بـ"تنظيم السياديين والمرضى والمتعطشين للدماء واللئام والخسيسين" وغيرها من الأوصاف القبيحة والتي يستحقها التنظيم وأكثر منها.

وكان الرئيس الفرنسي يبرر المشاركة في التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" بقوله: "نحارب داعش في أراضيها، لكي لا نضطر لمحاربتها في شوارع باريس أو قال فرنسا".

لكن التنظيم الإرهابي كان له رأي آخر و أراد أن تعيش فرنسا في عاصمتها العالمية ما وُصف به في إعلامها فكانت ليلة الجمعة 13 تشرين الثاني/ نوفمبر2015 ليلة سوداء ليلة رعب وحرب ومجازر كما وصفها الإعلام الفرنسي بمختلف أنواعه.

لو كانت فرنسا إنسانًا لرأيت وجهه شاحبا مصفرا مصدوما مذهولا لا يصدق أن داعش جعلت الفرنسيين يعيشون ليلة من ليالي الحرب العالمية الثانية، للأسف هذا ما حصل، والنتيجة حسب المدعي العام لباريس: أكثر من 129 قتيل و532 جريح 99 منهم في حالة خطيرة والحصيلة قابلة للارتفاع، مع فرض حالة الطوارئ بعد 50 عاما، و إقفال مؤقت للحدود والمطارات والقطارات وتعليق كافة الأنشطة بباريس، ومنع التجوال في عدة مناطق، والحداد الوطني وغيرها من القرارات الاستثنائية التي جعلت فرنسا في حالة لاستقرار، ورئيس فرنسا يخرج بخطاب خلاصته: "تنظيم الدولة شن علينا حربا سنرد عليها بدون رحمة".

لماذا فرنسا؟ قيل: لحضورها السياسي والعسكري في سوريا والعراق والشرق الأوسط عموما، وغيرها من الأسباب.

لقد كانت كلمة العالم حول دموية هذا التنظيم كلمة واحدة سواء كانت من المسلمين أو من غيرهم من الديانات والاديولوجيات والملل، لخص الطريقة البربرية لهذا التنظيم الصحفي البريطاني المشهور "روبرت فيسك" فوصف داعش في مقال له على صحيفة الاندبندنت: "إنهم من خلال أشرطة الفيديو التي ينشرونها على الإنترنت يعممون بفخر مشاهد قطع الرؤوس والمذابح التي يقترفونها، ويتلذّذون بإطلاق النار الجماعي على السجناء، وإحراق أحد الطيارين حيا في قفص حديدي، وحبس السجناء في سيارة ليطلقوا عليهم قاذفة صواريخ، وربط آخرين من أعناقهم بسلسلة متفجرة، أو وضعهم في قفص حديدي ثم إغراقهم في الماء. إن "داعش" تقول لعالم الصحافة وغيرهم: "نحن لسنا متعطشين للدماء ولسنا مرضى ولا فاسدين، إننا أفظع من ذلك!".

السؤال: لماذا لم يكن العالم وخصوصا الغرب جدا في محاربة داعش؟ لماذا تصرف العالم مع داعش بمنطق البستاني الذي يُقلم أغصان الشجرة وأورقها كي تزداد نموا وقوة، ولو أراد القضاء عليها لقطع جذورها.

الذي لا يختلف عليه اثنين- طبعا إلا إيران وروسيا وحلفائهما-  هو أن الإرهابي الأكبر والمجرم الأخطر "بشار الأسد" ونظامه الهمجي هو أحد أقوى أسباب ظهور "تنظيم داعش"، مع أسباب أخرى متنوعة وكثيرة منها ما هو المقصود ومنها غير المقصود، ومعه النظم الاستبدادية العربية وطريقتها الديكتاتورية في إدارة العالم العربي والإسلامي على مدى أكثر من ستين سنة، مع دعم صريح أو مبطن من النظم الغربية والتي ترفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والكرامة وغيرها من الشعارات البراقة، لكن لمساومة هذه النظم وابتزازها، لا لإجبارها على التغير والإنصات لصوت شعوبها، قال "روبرت فيسك" في المقال نفسه عن أسباب ظهور التنظيم الإرهابية في سياق تفسيره لهذه الوحشية الدموية في فيديوهات داعش : "نستطيع أن نتعقب جذور هذه الطائفة من النفوس الضائعة في العقود الصعبة التي جثم فيها المستبدون في الشرق الأوسط ــ وفي غالب الأحوال بدعم  منا ــ على صدور شعوبهم، أو مئات الآلاف من القتلى المسلمين الذين كنا مسئولين عن وفاتهم أثناء وبعد غزونا البشع  أو "المتعطش للدماء" أو "السفيه" أو "الحقير" للعراق سنة 2003".

لقد نجحت التنظيمات الإرهابية في ترويج خطاب أنها حماية الشعوب من النظم الحاكمة الظالمة والتسلط الغربي، يقول الضابط السابق في وكالة المخابرات المركزية آكي بريتز: "إن داعش يحاول أن يظهر للمسلمين أنه الخيار الوحيد في منطقة تعفنت فيها الأنظمة الحاكمة بالفساد المالي، لسان داعش يقول للمسلمين: إخوانكم يتعرضون للاضطهاد وحكومتكم تتفرج، نحن وحدنا القادرون على مساعدتكم، لماذا لا تنضموا إلى المعركة معنا؟".

الشباب اليائس والواقع المليء بالبطالة والظلم والإقصاء وانسداد الأفق في العالم العربي والإسلامي وإشكالية التمزق الهوياتي وحب المغامرة والمال والشهرة والجهل بحقيقة الدين وخطاب الكراهية والعنصرية والتبرير الديني للإرهاب والبحث عن الانتماء وقوة البروباغندا الفعالة لهذه التنظيمات أعطت لهذا التنظيم هذا الزخم الكبير وهذا التعاطف الشبابي الواسع.

أذكر القراء الكرام بفيديو شهير لمفتي بشار مفتي الدم والإرهاب والطائفية، المسمى"حسون" حينما هدد أوروبا وأمريكا  بقوله: "سنعد استشهاديين هم الآن عندكم، إن قصفتم سوريا أو لبنان، فبعد اليوم العين بالعين والسن بالسن، والبادئ أظلم، وأنتم من ظلمتمونا"، وذكر فرنسا وبريطانيا وأمريكا.

الواقع أن أوروبا والغرب والمنظمات الدولية تجاهلت معاناة الشعب السوري وقبلها مطالبه الشرعية وثورته الحقة والتي ناشدت الحرية والديمقراطية والعيش الكريم كباقي شعوب العالم، حتى رأت ألمانيا وأوربا معها اللاجئين السوريين على أراضيها فقلقت وتحركت، ثم اليوم فرنسا تكتوي بنار داعش وتشرب من كأس الهمجية والبربرية الداعشية والتي شرب منها أهل الشام والعراق وتركيا والسعودية والكويت وغيرهم، فتوعدت التنظيم بحرب لا رحمة فيها، حربا لا هوادة فيها ضد الإرهابيين.

والمضحك المبكي أن الداعشي المعلم"بشار السفاح" يعطي دروسا في التنديد بالإرهاب، وبعدها يشمت في فرنسا حيث قال: "فرنسا تجني ثمار سياستها في سوريا وتعاني اليوم مما عانينا منه منذ خمس سنوات".

واسمع لما قاله الرئيس أردوغان حول هجمات باريس الإرهابية: "ندرك جيدا شعور فرنسا الأليم لمعرفتنا بنتائج الأعمال الإرهابية، لدينا نفس الشعور ونفس الفكر والموقف تجاه الأعمال الإرهابية سواء حدثت في سروج وغاز عنتاب وديار بكر وشيرناق أو حدثت في باريس، ونحن كبلد عانى من الإرهاب ما يزيد عن 30 سنة وأنا بصفتي رئيسا أقول دائما إنه لا دين ولا جنسية ولا عرق ولا وطن للإرهاب، الإرهابيون بجميع الأنواع والمسميات متساوون في السوء والخطورة، يجب علينا الكف عن تفضيل إرهاب على آخر ولا يمكن أن نتغلب على هذه المشكلة ما لم نتعامل مع الإرهاب كفعل إجرامي بغض النظر عن ادعاءات وأقوال المنظمات الإرهابية، إنني أتقدم باسمي وباسم الشعب التركي بالتعازي إلى الرئيس الفرنسي أولاند والشعب الفرنسي".

حقا إذا لم تستحي فقل ما شئت، وإذا نمت جذور الإرهاب وطال شوكه، ففتش عن بشار الأسد.

عن الكاتب

مولاي علي الأمغاري

باحث في قضايا العالم العربي والإسلامي ومتخصص في الحركات الإسلامية وقضايا الإرهاب، ومهتم بالشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس