باسل حفار - عربي 21

اتهم رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدرم، الأربعاء، تنظيم الدولة بالتفجيرات الدامية التي حصلت في مطار أتاتورك، كما أكد مطلعون ومسؤولون أتراك أن العناصر الذين نفذوها داعشيون، وتكرار هذه الهجمات وتوقيتها يستبعد احتمالية تحرك داعش من تلقاء نفسها، ويطرح احتمالية وجود جهة معينة تقف خلفها هي المستفيد والمسؤول عما جرى.

العملية ليست منفصلة في سياقها وأهدافها عما سبقها من عمليات نفذها تنظيم داعش في تركيا واستهدف فيها مناطق حيوية ومقصودة من قبل الزوار والسياح الأجانب.

روسيا ومحورها في المنطقة - النظام وإيران وحزب الله - وإسرائيل، التي باتت في تنسيق أمني وعسكري كبير معهم خلال الشهور الأخيرة، هي المستفيد الأكبر – وليس الوحيد بالطبع - من هذه العملية التي يبدو أنه قد خُطط لها من فترة ليست بالقصيرة، فقد شكلت هذه العمليات ضربة موجعة للاقتصاد التركي ولمكانة تركيا في المنطقة والدور الذي يمكن أن تلعبه في هذه المرحلة التاريخية، وقد باتت تركيا – التي تشتهر في سياساتها بحسابات المصلحة والبراغماتية - مضطرة اليوم أكثر من أي وقت مضى للانحناء لـ"العاصفة"، والقبول بشروط الآخرين وفي مقدمتهم إسرائيل و روسيا التي من المفترض أن تجمعها وتركيا في الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة عدة لقاءات واتصالات لإعادة المياه على مجاريها وإعادة تنظيم العلاقة بين الطرفين.

أما عن الدور الأمريكي والحديث عن امتعاض الولايات المتحدة من تركيا ومن رئيسها رجب طيب أردوغان، أو من التطورات الأخيرة في العلاقات التركية فمن المستبعد أن تكون مستفيدا حقيقيا مما جرى في مطار أتاتورك البارحة، ليس دفاعا عن الولايات المتحدة ودورها السيء في المنطقة ولكن لعدة أسباب موضوعية أهمها أنه وبرغم الخلافات المعروفة بين تركيا والولايات المتحدة ولكن تركيا لم تشب في قراراتها وسياساتها عن طوق الولايات المتحدة، ربما ترددت أو تأخرت في التجاوب الإيجابي مع سياسات الولايات المتحدة أحيانا وربما لم تنسيقها الأمني او العسكري بالمستوى المطلوب، ولكن قراراتها وفي تطبيقها لسياساتها على الأرض لم تكن يوما مصطدمة مع الولايات المتحدة.

وليس هناك ما يؤشر على أنه من مصلحة الولايات المتحدة أن يكون هناك مزيد من الانتقال للنيران من سوريا إلى دولة مهمة في استقرارها لأوروبا والعالم كتركيا، أو أن يكون هناك مزيد من الانكسار في الموقف أو السياسية التركية التي وصلت إلى مرحلة إرسال رسالة تصالحية إلى إسرائيل والتصالح معها بشكل علني مؤخرا.

أما بالنسبة لسوريا التي يحرز الثوار فيها تقدما ملحوظا على عدة محاور في الفترة الأخيرة ويفتحون عدة جبهات في مناطق مهمة ويكبدون ميليشيات النظام وحزب الله خسائر فادحة في وقت يبدو فيه الطرف الروسي – لأسباب لم تتأكد بعد - متردد في الاستمرار في الصراع الدائر هناك بنفس الزخم أو الطريقة السابقة، فلا ندري إن كان مستقبل الصراع في سوريا مدرج بشكل صريح على جدول النقاشات بين تركيا وروسيا أو بين تركيا وإسرائيل، ولكن بلا شك فإن تطورات العلاقة بين الطرفين ستنعكس بشكل أو بآخر على الوضع هناك.

تركيا التي اختارت جانب المظلومين ووقفت إلى جانب الشعوب المقهورة ولم توفر مناسبة إلا وأعربت عن دعمها الصريح لهم، بل وأحياناً كانت تطلق التهديدات والوعود ضد ظلامهم، ربما تمر اليوم بأصعب حالاتها في مرحلة حساسة تواجه فيها تحديات جسيمة هي بحاجة لأن تكون خلالها بأحسن حالاتها، ومعها طيفٌ واسع جداً من شعوب المنطقة المتفائلين بقدرة قيادتها ومؤسساتها على تجاوز هذه المحنة.

عن الكاتب

باسل حفار

مدير مركز إدراك للدراسات والاستشارات


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس