
ترك برس
تناول مقال للكاتب والإعلامي التركي كمال أوزتورك، تنامي العلاقات بين اليونان وإسرائيل، خاصة في المجالات العسكرية والأمنية والطاقة، في ظل التوترات المستمرة بين اليونان وتركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط.
يناقش أوزتورك الكيفية التي دفعت بها الخلافات التاريخية مع أنقرة أثينا إلى توثيق تحالفها مع تل أبيب، وصولا إلى بناء شراكة ثلاثية مع قبرص وبدعم أمريكي لاحقا. كما يسلط الضوء على الاتهامات الموجهة لليونان بالتواطؤ في الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الصمود".
ويستعرض الكاتب المخاطر الجيوسياسية والعسكرية المترتبة على تعاظم النفوذ الإسرائيلي في البحر المتوسط، وانعكاسات ذلك على أمن المنطقة، وحقوق دولها البحرية، ومستقبل التوازنات الإقليمية. وفيما يلي نص المقال الذي نشره موقع الجزيرة نت:
يتجدد الجدل بشأن العلاقة الخطيرة بين إسرائيل واليونان، في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الصمود" قبالة السواحل اليونانية واختطافها عشرات النشطاء وتركها سفنهم تنجرف في عرض البحر.
ويؤكد النشطاء الذين أنزِلوا في جزيرة كريت، التي تعد من المياه الإقليمية الأوروبية، أن اليونان ساعدت إسرائيل في هذا الهجوم، وقد ذكرت ذلك بعض وسائل الإعلام.
وأفاد النشطاء الذين تحدثتُ إليهم بأن السفن الإسرائيلية دخلت المياه الإقليمية اليونانية بينما كان العنف يمارس ضدهم على متن السفينة. وبالفعل نُشرت لاحقا صور تظهر آثار الضرب على وجوه وأجساد هؤلاء النشطاء.
ومن بين هؤلاء النشطاء، فصلت إسرائيل سيف أبو كشك وتياغو أفيلا عن الآخرين ونقلا إلى إسرائيل. ويتضح من الصور أنهما تعرضا أيضا للتعذيب.
فلماذا تقيم اليونان علاقات وثيقة مع إسرائيل، رغم إقرار المحكمة الدولية لحقوق الإنسان بارتكابها جريمة الإبادة الجماعية، وتصاعد ردود الفعل المنددة من العديد من دول الاتحاد الأوروبي؟ وما هي أبعاد هذه العلاقة؟
أبعاد العلاقات اليونانية الإسرائيلية
تعمقت أبعاد العلاقة بين هذين البلدين المطلين على البحر الأبيض المتوسط بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.
وتأتي في مقدمة الخلافات ذات الجذور التاريخية بين اليونان وتركيا: جزيرة قبرص، والجرف القاري في مياه بحر إيجة، وتسليح الجزر، ومسألة الأقليات.
وتتفاقم هذه الخلافات أو تتراجع من حين لآخر بفعل السياسة الداخلية. وبسببها تتدخل أحيانا أطراف ثالثة في القضية، مما يجعلها تصل إلى طريق مسدود.
وغالبا ما تسعى اليونان للحصول على دعم من دول أخرى لموازنة تنافسها وخلافاتها مع تركيا، ولهذا السبب أسست علاقاتها مع إسرائيل وعززتها بمرور الوقت.
لقد أسفرت حادثة سفينة "مافي مرمرة" وواقعة "دقيقة واحدة" خلال المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس عن تدهور العلاقات الإسرائيلية التركية، وهو ما دفع اليونان لاتخاذ قرار بتعزيز علاقاتها مع إسرائيل في تلك الفترة تحديدا.
وفي عام 2012، أجرت إسرائيل واليونان لأول مرة مناورة عسكرية مشتركة في شرق المتوسط في مجالي الأمن والتنسيق البحري الجوي، لتشهد علاقاتهما بعد ذلك التاريخ تعزيزا في مجالات الطاقة والأمن والدفاع.
ولاحقا، انضمت "إدارة جنوب قبرص الرومية" (جمهورية قبرص اليونانية) إلى هذه الشراكة، ما وضع أسس تحالف ثلاثي.
وفي عام 2019، انضمت الولايات المتحدة إلى هذا التحالف الثلاثي في ملفات أمن الطاقة واستخراج موارد الهيدروكربون في شرق المتوسط، مما زاد المشهد تعقيدا.
التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان
وفي السنوات اللاحقة، جرى توقيع برامج للتعاون الدفاعي بين اليونان وإسرائيل. وخلال الفترة بين عامي 2017 و2023، نظم ما مجموعه 58 نشاطا عسكريا مشتركا، من بينها 25 مناورة.
ورغم إبلاغ الجانبين اليوناني والأمريكي مرارا بالانزعاج من هذه التحركات العسكرية التي تتابعها تركيا من كثب، فإن اليونان واصلت هذه العلاقة.
وقد حصلت اليونان من إسرائيل على مسيرات من طراز هيرون، وبدأت في نشر منظومات مقلاع داود للدفاع الجوي الإسرائيلي في الجزر اليونانية ببحر إيجة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أوكلت اليونان إلى إسرائيل مهمة تحديث مروحيات "أباتشي" لتصبح قادرة على إطلاق صواريخ سبايك.
وتواصل اليونان الحفاظ على علاقاتها العسكرية المكثفة مع إسرائيل، من خلال صفقات الصواريخ، ومعدات الحرب المتقدمة والتدريبات العسكرية.
ورغم أن اكتساب هذا التعاون العسكري بين اليونان- العضو في حلف الناتو- وإسرائيل عمقا إستراتيجيا أثار رد فعل تركي قوي، فإن تسلح هذين البلدين، بما يهدد أمن مياه المتوسط، بات يشكل خطرا أيضا على دول أخرى.
وفي هذا الصدد، أفاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان- خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي- بأن دولا أخرى تتابع بقلق التعاون العسكري بين "إدارة جنوب قبرص الرومية" واليونان مع إسرائيل.
التعاون اليوناني الإسرائيلي خطر على المنطقة
وعلى الرغم من أن اليونان تهدف من تقاربها مع إسرائيل إلى موازنة القوة مع تركيا، فإن هذا التعاون العسكري، الذي اكتسب طابعا إستراتيجيا، يشكل في الواقع خطرا على المنطقة بأسرها.
إن تزايد النفوذ الإسرائيلي يوما بعد يوم في قبرص (اليونانية) يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى تهديد عسكري لسوريا، ولبنان، ومصر، وغزة القريبة من الجزيرة.
كما أن اتفاقيات الطاقة المبرمة لاستخراج موارد الهيدروكربون في شرق المتوسط تعرض الحقوق الطبيعية لدول هذه المنطقة للخطر، وسوف تضع مواقف إسرائيل التوسعية والاحتلالية وغير القانونية اليونان في مأزق مستقبلا.
وفي هذا السياق، أعلنت منظمات المجتمع المدني، التي تعتزم رفع الهجوم القرصاني على أسطول الصمود إلى المحاكم الدولية، أنها ستدرج أيضا اليونان ضمن لائحة الدعوى كـ"شريك في الجريمة".
وقد ردّت تركيا على الاتفاقيات بين إسرائيل واليونان في البحر المتوسط باتفاقية "مناطق الصلاحية البحرية" مع ليبيا ضمن إطار عقيدة "الوطن الأزرق"، ثم واصلت تعزيز تأثيرها في المتوسط عبر تطوير علاقاتها مع مصر.
وبما أن مصر، وسوريا، ولبنان، وليبيا أقرب في المحصلة إلى تركيا منها إلى إسرائيل، فمن المحتمل أن تتخذ موقفا ضد اليونان إذا تعرض الأمن البحري في المتوسط للخطر، وهو ما يشكل تهديدا محتملا لها.
إن تسلح اليونان عبر إسرائيل وتحول المورة وكريت وجزر أخرى إلى نقاط تمركز ومراقبة عسكرية وتنصت ودخولها بشكل متزايد تحت السيطرة الإسرائيلية، يمثل خطرا على التجارة والطاقة والنقل المدني في البحر المتوسط.
وتظهر لنا الأزمة في مضيق هرمز أن البحر المتوسط، المتصل بالبحر الأحمر، سيكون ممر عبور أكثر أهمية في السنوات القادمة.
وفي هذه الحالة، فإن تزايد نفوذ إسرائيل في المتوسط سيشكل خطرا على جميع الدول، بما في ذلك إسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا والدول الأوروبية الأخرى التي ستستخدم هذه المياه.
ونتيجة لذلك فإن وقوف اليونان- العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو- في ظل هذه التطورات إلى جانب إسرائيل المتهمة بالإبادة الجماعية، بدلا من الوقوف مع جيرانها وحلفائها وأصدقائها، يعتبر أمرا غير منطقي وخطأ جيوسياسيا فادحا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











