ياسين أقطاي - يني شفق -  ترجمة وتحرير ترك برس

إن الخطاب النفعي الذي يُربّى باسم الوطنية يُبعد الأجيال بسرعة حتى عن أن تكون وطنية بحق. فهو يُنتج شخصية أنانية لا تُبدي، عند الحاجة، أدنى تضحية حتى تجاه شعبها وأمتها. كما يُصوّر المسؤولية التي ينبغي حملها باسم الأمة على أنها عبء ثقيل، ويغذّي شخصية «ذكية» بمفهومها الخاص، تحاول التهرب من كل واجب وطني متى استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

ومن هذه الشخصية ينبثق نموذج للسلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا ينظر إلى الحلال مطلقاً إذا ظفر بالحرام، ويرى في كل أنواع الفساد حقاً مشروعاً له. وللأسف، فإن الأجيال التي أفرزها تعليمنا القومي-الوطني على مدى مئة عام تُعدّ من أهم أسباب حالنا المؤلمة اليوم. فاللامبالاة التي تُظهر أحياناً تجاه اللاجئين أو تجاه الشعوب الأخرى، تتحول إلى قسوة وانعدام رحمة فيما بيننا، وإلى مظهر آخر من مظاهر المنافسة الشرسة التي يأكل فيها الذئب الذئب.

والحمد لله، فتركيا ليست محصورة في هذا المشهد. فحتى وإن كان تعليمنا العام ميّالاً إلى إنتاج مثل هذه الشخصية، فإن الشعارات والقيم التي غرسها ربنا في وجدان هذا الشعب تُخرّج، كما لو كانت مؤسسات تربوية قائمة بذاتها، نمطاً مختلفاً تماماً من البشر: أناساً صالحين، وأناساً يسارعون إلى فعل الخير، وأناساً يتنافسون فيما بينهم من أجل الخير. ومن المؤسسات التي أودعها ربنا فينا وتعمل كمدارس تربوية: رمضان، والزكاة، والإنفاق، والعبادات كالأضحية. ورغم أنهم حاولوا تفكيك هذا الدين خيطاً خيطاً، فإن هذه المؤسسات التي تغلغلت حتى في خلايا الأمة لم يكن ممكناً اقتلاعها، ومن خلالها أُحييت صفة هذا المجتمع كأمة.

ومع اقتراب عيد الأضحى، تظهر صورة مهيبة حقاً من خلال أنشطة جيش كبير من المتطوعين الذين يهرعون إلى مختلف أنحاء العالم لتنظيم حملات الأضاحي، ويقيمون جسور الأضاحي التي تحملها الأمة التركية إلى مختلف بقاع العالم، ولا سيما المناطق المتضررة والمظلومة والفقيرة. إن أنشطة المساعدات الإنسانية والأضاحي التي امتدت خلال الثلاثين عاماً الماضية من تركيا إلى شتى أنحاء العالم ليست سوى مؤشر على تحول اجتماعي وأخلاقي أعمق بكثير.

واليوم، فإن أعمال الأضاحي التي تنفذها المؤسسات والجمعيات التركية في فلسطين، وغزة، ومخيمات لاجئي أراكان، والصومال، والنيجر، وتشاد، والسودان، وفي أبعد مناطق أفريقيا، ليست مجرد نشاط إغاثي. إنها في الوقت نفسه تجسيد ملموس لقدرة الإنسان على تجاوز دائرة راحته الخاصة والتفاعل مع آلام الآخرين، وتجسيد لوعي الأمة الإسلامية وللمسؤولية الإنسانية العالمية.

أما الجانب الأكثر لفتاً للانتباه في هذه الأعمال فهو القصص الإنسانية الكامنة وراءها. وقد كنتُ قدّمت هذه القصص الإنسانية في الأعوام السابقة قائلاً: «إليكم أمثلة جميلة لأولئك الذين يسألون: أين شبابنا؟ هؤلاء الشباب هم بالطبع إرث من الماضي، لكنهم أيضاً قلوب جميلة ومنفتحة وشجاعة ستبني المستقبل».

شباب يفضّلون مخيمات اللاجئين على المنتجعات السياحية خلال أيام العيد، وأطباء ومهندسون ومعلمون ومتطوعون يقضون إجازاتهم السنوية في قرى أفريقيا أو في المناطق التي يعيش فيها ضحايا الحروب... هذه هي النقطة التي ينبغي تسليط الضوء عليها حقاً.

ولنتذكر أن المعنى الحقيقي للأضحية ليس العطاء فحسب، بل التقرب أيضاً؛ وأن مفهوم «القُرب» الكامن في أصل الكلمة يعبر تماماً عن ذلك. التقرب إلى الله مع التقرب إلى الإنسان؛ والقدرة على جعل معاناة المظلوم في أي بقعة من العالم قضية شخصية لنا...

لقد عرض صديقنا العزيز وحيد الدين إينجه، بدقته المعهودة، فكرة أن الحضارة الإسلامية هي إلى حد ما «حضارة الأضحية»، مستنداً إلى شواهد صحيحة وجميلة. نعم، يمكن وصف الحضارة الإسلامية بأنها حضارة فقه أو حضارة أوقاف، لكنها في الوقت ذاته يمكن أن توصف بأنها «حضارة أضحية تجعل البعيد قريباً». وما إن يجمع المسلمون شيئاً من قوتهم حتى تظهر هذه الخصائص بوصفها تجليات حتمية لأوامر الأضحية والزكاة والإنفاق التي غرسها ربهم الأعلى في نفوسهم كشعارات وقيم راسخة.

إن الأضحية التي تصل إلى غزة ليست مجرد لحم يُوزع على أسرة جائعة، بل هي أيضاً رسالة إلى شعب يعيش تحت الحصار مفادها: «لستم وحدكم». والأضحية المرسلة إلى مخيمات أراكان ليست مجرد طرد مساعدات، بل هي يد أخوة ممدودة إلى أناس منسيين. أما الأضحية التي تُذبح في المناطق الفقيرة من أفريقيا فهي ليست مجرد دعم غذائي، بل تذكير قوي بعالمية الكرامة الإنسانية.

وعندما ننظر إلى أعمال المؤسسات العاملة في تركيا مثل هيئة الإغاثة الإنسانية، ومؤسسة الديانة التركية، وجانسويو، ومؤسسة اليتيم، ومنارة البحر، وحجر الصدقة، وجمعية بشير، وآجيل-در، ومؤسسة سيرت، وخيرات، وحركة الإنسان والحضارة، والعديد من المؤسسات المشابهة، فإننا لا نجد أمامنا مجرد شبكة للمساعدات، بل حركة ضمير تعمل على نطاق عالمي. ووفقاً لما أتابعه، فإن جميع هذه المؤسسات لا تقتصر على تنظيم حملات الأضاحي، بل تنفذ أيضاً برامج لكفالة الأيتام، والتعليم، والصحة، وعمليات العيون، ومشاريع المياه، والختان، والمساعدات العاجلة لمناطق الحروب والكوارث، وخدمات اللاجئين.

والأهم من ذلك أن هذه الأنشطة تترك أثراً تحويلياً في الأجيال الجديدة. فالشباب الذين يشاركون في حملات الأضاحي يكبرون وهم يشاهدون عن قرب معاناة الناس الذين يعيشون في أماكن أخرى من العالم. وهكذا تتحول الأضحية من مجرد عبادة إلى مدرسة لتربية الرحمة، والتضامن، والشعور بالمسؤولية، والعدالة.

ولعل أحد أهم مكاسب تركيا اليوم هو هذا بالذات: قدرتها على تنشئة مورد بشري يستطيع أن ينظر إلى العالم ليس فقط من زاوية المصالح، بل من منظور المسؤولية الأخلاقية.

ولهذا، فعند تقييم أنشطة الأضاحي، لا ينبغي النظر فقط إلى عدد الحيوانات التي ذُبحت، بل إلى عدد القلوب التي اقتربت من بعضها بعضاً. لأن النجاح الحقيقي لا يكمن في كمية اللحم الموزع، بل في جسور الأخوة التي تُبنى. كما أن سائر الأنشطة الأخرى هي أيضاً أعمال تحقق هذا التقارب، وتؤدي وظيفة الأضحية في جوهرها، وتبني الجسور، وتقرّب البعيد.

وهنا تتجلى البركة الحقيقية للأضحية: في تقريب الناس بعضهم من بعض، وفي جعل آلام البشر في مختلف أنحاء العالم قضية لضمير مشترك، وفي تعليم الأجيال الجديدة معنى التضحية، والمشاركة، وتحمل المسؤولية.

عن الكاتب

ياسين أقطاي

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس