فؤاد بُل - حرييت - ترجمة وتحرير ترك برس

عندما يتحدث البعض اليوم عن سوريا وهم يحصرون ذاكرتهم في السنوات العشر الأخيرة، فهذا يعني في الواقع أنهم لا يعرفون شيئاً.

ذلك لأن سوريا، بالنسبة إلى تركيا، كانت على مدى سنوات طويلة اسماً لنظام كان ينتج التهديدات أكثر مما كان يمثل دولة جارة.

وكانت سوريا البلد الذي تحرك فيه حزب العمال الكردستاني (PKK) بأكبر قدر من الحرية.

وظل عبد الله أوجلان لسنوات تحت حماية دمشق.

وكانت البنى التي أنتجت الإرهاب ضد تركيا تتنفس في سوريا.

وكان التدخل في الشؤون الداخلية لتركيا، ووضع أنقرة في مواقف صعبة، وإجبارها على دفع الثمن عبر حزب العمال الكردستاني، إحدى السياسات الأساسية للدولة في عهد حافظ الأسد.

ومن عاش تلك الأيام لا ينساها.

ففي كل ربيع، ومع ذوبان الثلوج وامتلاء السدود، كانت الصحف تنشر خبراً يكاد يصبح روتينياً.

"إلقاء القبض على عملاء سوريين في السدود."

تخيلوا دولة...

إنها جارتكم، لكنها لا تقدم لكم الصداقة، بل تنتج لكم التهديدات باستمرار.

وقد بلغت العلاقات بين البلدين درجة من السوء جعلت مجرد زيارة رئيس من رؤساء الجمهورية التركية إلى دمشق يُعد حدثاً استثنائياً.

حتى إن زيارة أحمد نجدت سيزر، الذي كان يحرص طوال حياته على الحد من زياراته الخارجية، إلى دمشق عقب وفاة حافظ الأسد، كانت بحد ذاتها رسالة دبلوماسية، إذ كانت تركيا تمد يد الصداقة مجدداً إلى جارتها رغم كل ما حدث.

أما الخطوة الكبرى الحقيقية فقد قام بها رجب طيب أردوغان.

فلم يسع إلى الانتقام.

بل رأى فرصة.

وفتح صفحة جديدة.

أُلغيت تأشيرات الدخول.

وعُقد اجتماع مشترك لمجلس الوزراء.

وأُسس مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى.

وربما شهدت العلاقات بين البلدين أكثر مراحلها دفئاً في التاريخ.

لقد قامت تركيا بما عليها.

لكن بشار الأسد لم يستطع استثمار تلك الفرصة التاريخية.

أما ما جرى بعد ذلك، فالجميع يعرفه...

حرب أهلية...

دماء...

وملايين اللاجئين...

وهنا تحديداً ظهر نوع الدولة التي تمثلها تركيا.

فتحت أبوابها.

وفتحت مستشفياتها.

وفتحت مدارسها.

وتقاسمت خبزها.

وتقاسمت إمكاناتها.

وأنقذت ملايين البشر من الموت.

وفي الوقت نفسه، لم تهمل أمنها.

فحطمت الممر الإرهابي.

وأنشأت مناطق آمنة وراء حدودها.

وحولت الجغرافيا التي كانت تنتج التهديدات لتركيا لسنوات إلى خط يضمن أمنها.

أما اليوم، فإن التاريخ يرسم مشهداً بالغ الدلالة.

فالنظام الذي ظل ينتج العداء لتركيا لسنوات لم يعد موجوداً.

في حين أصبحت تركيا واحدة من أهم الدول صاحبة الكلمة في مستقبل سوريا.

والآن، لنأتِ إلى القضية الأساسية...

لقد كانت هناك عبارة استُخدمت لسنوات للسخرية من رجب طيب أردوغان.

"سنصلي في الجامع الأموي."

كم استخفوا بها...

وكم سخروا منها...

لكن ماذا حدث اليوم؟

في البداية، زار رئيس جهاز الاستخبارات التركي (MIT) دمشق.

ثم تلاه وزير الداخلية في الجمهورية التركية، الذي تلا القرآن الكريم في الجامع الأموي.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد زيارة لمسجد.

بل يتعلق بمن الذي ذهب إلى ذلك المسجد.

فلو كان وزير الخارجية هو من ذهب، لكانت الرسالة دبلوماسية.

ولو كان وزير الدفاع الوطني هو من ذهب، لكانت الرسالة عسكرية.

ولو كان رئيس جهاز الاستخبارات هو من ذهب، لكانت الرسالة استخباراتية.

أما أن يتلو وزير الداخلية القرآن الكريم في قلب دمشق...

فهذه واحدة من الرسائل الكبرى التي تبعثها الدول عبر الرموز.

فالدول تستطيع أحياناً أن تكتب، بصورة واحدة، كتباً بأكملها.

لكن لكي تتمكن من التقاط تلك الصورة، عليك أولاً أن تكون قوياً.

فمن لا يملك القوة، لا يملك رسالة.

وإيصال الرسائل يحتاج إلى القوة.

وعندما تنظرون إلى الملف السوري في عهد رجب طيب أردوغان، فإنكم ترون هذا التسلسل:

في البداية، عرض الصداقة.

ولما لم ينجح ذلك.

وقف إلى جانب المظلوم.

وضمن أمن تركيا.

وأبعد الإرهاب عن الحدود.

وأصبح صاحب كلمة في مستقبل سوريا.

وفي النهاية، بعث إلى المنطقة بأسرها، من خلال صورة واحدة ورمز واحد، رسالة مفادها: "تركيا هنا."

إن إدارة الدولة ليست إنقاذ اليوم.

بل إن إدارة الدولة تعني القدرة على تغيير قواعد اللعبة في جغرافيا ظلت تنتج لكم التهديدات لسنوات.

وهذا هو، في نظر الكاتب، أكبر نجاح حققه رجب طيب أردوغان في الملف السوري.

فإذا كانت دولة كانت تصدر التهديدات إلى تركيا في الماضي مضطرة اليوم إلى أخذ التأثير التركي الحاسم في الحسبان، فإن ذلك ليس من قبيل الصدفة.

بل هو نتيجة لاستراتيجية دولة طويلة الأمد.

والتاريخ ينظر إلى النتائج.

والنتيجة واضحة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!