
ترك برس
في قلب إسطنبول، وبينما يتجول آلاف السياح على الواجهة البحرية لمنطقة «غالاطة بورت» (Galataport)، لا يدرك كثيرون أنهم يسيرون فوق واحدة من أبرز المنشآت الهندسية في تركيا، إذ تختبئ تحت الأرض محطة ضخمة لاستقبال السفن السياحية، تمتد على مساحة 29 ألف متر مربع، وتضم مرافق الجمارك وفحص جوازات السفر والأمتعة.
وتُعد المحطة، التي افتُتحت عام 2021، أول محطة تحت الأرض مخصصة لسفن الرحلات السياحية في العالم، وفق القائمين على المشروع، وقد صُممت بطريقة تسمح باستقبال آلاف المسافرين دون تعطيل حركة المشاة أو حجب الواجهة البحرية عن سكان المدينة وزوارها.
https://x.com/TR99media/status/2109721305222197278?s=20
كيف تعمل المحطة المخفية؟
تعتمد محطة غالاطة بورت على نظام هندسي يضم 176 بوابة هيدروليكية متحركة، بطول 3 أمتار لكل منها، تعمل بصورة مستقلة للفصل بين المنطقة العامة والمناطق الجمركية والأمنية المخصصة لركاب السفن.
وعند وصول سفينة سياحية، تُفعّل البوابات لإنشاء منطقة آمنة ومؤقتة على الرصيف، يُوجَّه منها الركاب عبر ممرات إلى المحطة الموجودة تحت الأرض، حيث تُنجز إجراءات الجوازات والجمارك واستلام الأمتعة.
أما بعد مغادرة السفينة، فتُغلق المنطقة المؤقتة ويعود الرصيف إلى وظيفته ممشى عامًا مطلًا على البحر، دون الحاجة إلى إبقائه منطقة جمركية مغلقة بصورة دائمة.
وتشمل المنشأة مرافق لمعالجة الأمتعة، وسيور نقل يبلغ طولها الإجمالي 1200 متر، إضافة إلى مسارات للمركبات السياحية والحافلات، بما يقلل الازدحام المروري على مستوى الشارع.
ميناء يستقبل 15 ألف مسافر يوميًا
تبلغ الطاقة الاستيعابية للميناء ثلاث سفن سياحية في الوقت نفسه، وبحد أقصى يصل إلى 15 ألف مسافر يوميًا، مع القدرة على التعامل مع السفن السياحية العملاقة التي تنقل آلاف الركاب وأفراد الطاقم.
ويضم المشروع كذلك موقفًا للسيارات تحت الأرض يتسع لنحو 2400 مركبة، إلى جانب مرافق للنقل السياحي وخدمات المسافرين.
وقد استغرق التخطيط التفصيلي للمحطة نحو خمس سنوات، شملت دراسة حركة الركاب وإجراءات الجمارك والتشغيل، بهدف الجمع بين المتطلبات الأمنية وإبقاء الواجهة البحرية متاحة للجمهور.
من ميناء تاريخي إلى وجهة سياحية
يقع غالاطة بورت في منطقة كاراكوي التاريخية على الجانب الأوروبي من إسطنبول، ويمتد على واجهة بحرية بطول 1.2 كيلومتر على مضيق البوسفور.
وظلت أجزاء واسعة من هذا الساحل محجوبة عن الاستخدام العام منذ أواخر القرن التاسع عشر بسبب الأنشطة المينائية والقيود المرتبطة بها.
ومع تنفيذ مشروع غالاطة بورت، الذي بلغت استثماراته نحو 1.7 مليار دولار، أُعيد تطوير المنطقة وتحويلها إلى وجهة تجمع بين السياحة البحرية والمطاعم والمتاجر والمؤسسات الثقافية والفنادق.
وشمل المشروع ترميم مبانٍ تاريخية، إلى جانب دمج المحطة الجديدة مع المعالم المحيطة بها، ومن بينها متحف إسطنبول للفن الحديث ومتحف الرسم والنحت التابع لجامعة معمار سنان.
واستقبل الميناء أول سفينة سياحية بعد تطويره في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2021، وهي سفينة «SeaDream II» القادمة من ميناء فارنا البلغاري، في خطوة دشنت عودة الرحلات السياحية البحرية إلى المنطقة بعد أعمال التطوير.
رهان تركي على سياحة الرحلات البحرية
لا تقتصر أهمية المشروع على تصميمه الهندسي، إذ تراهن تركيا عليه لتعزيز مكانة إسطنبول مركزًا رئيسيًا لسياحة السفن السياحية في شرق البحر المتوسط والبحر الأسود.
وتختلف الموانئ الرئيسية عن محطات التوقف المؤقت، إذ يبدأ بعض المسافرين رحلاتهم البحرية منها أو ينهونها فيها، ما يزيد فرص الإنفاق على الفنادق والمطاعم والتسوق والنقل الجوي.
وكان وزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري أرصوي قد أكد أهمية المشروع في زيادة الإنفاق السياحي، معتبرًا أنه ليس مجرد ميناء لاستقبال السفن، بل مجمع سياحي متكامل يربط حركة الرحلات البحرية بالنشاط الاقتصادي داخل المدينة.
كما حصل غالاطة بورت في ديسمبر/كانون الأول 2021 على شهادة «LEED Platinum» للاستدامة البيئية، في إطار تصميم يهدف إلى تطوير الواجهة البحرية مع مراعاة كفاءة المنشآت وإمكانية الوصول إليها.
وبذلك، يقدم غالاطة بورت نموذجًا مختلفًا لتطوير الموانئ داخل المدن الكبرى؛ فبينما تتحرك السفن والركاب والأمتعة عبر منشآت مخفية تحت الأرض، تبقى المساحات العلوية مخصصة للتنزه والسياحة والأنشطة الثقافية.
وتكمن خصوصية المشروع في هذه المعادلة الهندسية: ميناء دولي يعمل تحت أقدام الزوار، وواجهة بحرية تاريخية عادت لتكون جزءًا من الحياة اليومية في إسطنبول.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











