ترك برس

يشهد مجال القتال الجوي تحولاً جذرياً مع بروز أنظمة تجمع بين الطائرات المأهولة وغير المأهولة ضمن تشكيل قتالي واحد. ففي سيناريو مستقبلي، يدير طيار مقاتل عدة طائرات قتالية مسيرة في آن واحد، محدداً الأهداف ومكلفاً بالمهام ومشرفاً على القرارات، بينما تتولى الطائرات المسيرة تنفيذ الطيران والمناورات عبر أنظمتها الذاتية. 

وفي هذا الإطار، يقدم المحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي كاندمير في مقال نشره موقع «إندبندنت تركية» قراءة معمقة لهذا التحول المعماري، مستعرضاً أمثلة عملية وتحديات تقنية وانعكاسات على القوة الجوية التركية.

يقول الكاتب إن اختبار سلاح الجو الأمريكي، الذي نقلت فيه مقاتلة إف-22 رابتور أوامر تكتيكية أثناء الطيران إلى الطائرة المسيرة القتالية واي إف كيو-44إيه فيوري التي طورتها أندرول، يشكل أحد الأمثلة البارزة على هذا التحول. ويؤكد أن القضية الجوهرية ليست سيطرة طيار على طائرة أخرى، بل قدرة المنصات المأهولة وغير المأهولة على العمل معاً ضمن النظام القتالي ذاته.

ويوضح كاندمير أن دور الطيار في قمرة القيادة يتغير. ففي القتال الجوي التقليدي يقيم الطيار بيانات أجهزة الاستشعار، ويحدد التهديدات، ويتخذ قرارات استخدام الأسلحة. أما التعاون بين المأهول وغير المأهول فيوسع هذا التعريف، فيتحول الطيار إلى مدير قتال جوي قادر على تكليف المنصات المسيرة المحيطة به بمهام أثناء قيادته لطائرته. ولا حاجة لإرسال أمر منفصل لكل مناورة؛ بل يُبلَّغ الهدف أو منطقة المهمة أو الأولوية التكتيكية من الطائرة المأهولة، ليتولى البرنامج الذاتي للطائرة المسيرة تنفيذ المهمة وفق ظروف الطيران. 

ويشير الكاتب إلى أهمية هذا التمييز، إذ يستحيل في قتال جوي عالي السرعة أن يدير الطيار طائرته ويتدخل في كل حركة لعدة منصات مسيرة. وتهدف أنظمة الذكاء الاصطناعي والطيران الذاتي إلى دمج قدرة الإنسان على اتخاذ القرار مع سرعة معالجة الآلة. ومع ذلك، لا يختفي دور الطيار، بل ينتقل من التحكم المباشر في كل حركة إلى تحديد المهام والإشراف على القرارات الحاسمة.

وينتقل الكاتب إلى البعد الاقتصادي، مشيراً إلى أن تطوير المقاتلات المأهولة وتوريدها وصيانتها أصبح باهظ التكلفة، وأن تكاليف الأجيال الخامسة والسادسة تصعب على القوات الجوية الحفاظ على العدد نفسه من المنصات. وتقدم الطائرات المسيرة القتالية حلاً مختلفاً. فعندما تعمل مقاتلة مأهولة برفقة عدة منصات مسيرة، تزداد قدرة الاستشعار وإمكانية حمل الذخيرة وخيارات الاقتراب من الأهداف من اتجاهات متعددة، مما يتيح تشكيل قوة أوسع دون زيادة متناسبة في عدد الطيارين. 

ويصف هذا النهج بـ«الكتلة الميسورة التكلفة»، موضحاً أن الهدف ليس استبدال المقاتلات المأهولة الباهظة بأنظمة مسيرة بالكامل، بل إحاطتها بعناصر مسيرة أكثر قدرة على تنفيذ المهام وقابلة للخسارة عند الضرورة. كما توفر هذه الأنظمة خيارات جديدة ضد شبكات الدفاع الجوي المتقدمة: فالمسيرات يمكن أن تتقدم لكشف الأهداف أو إجبار رادارات العدو على العمل أو تنفيذ هجمات إلكترونية، بينما تستفيد المأهولة من البيانات دون الاقتراب أكثر. علاوة على ذلك، لا يشترط أن تكون المنصة الكاشفة هي نفسها المطلقة للسلاح؛ فقد تكشف مسيرة الهدف بينما تنفذ أخرى الهجوم، مما يصعب على الدفاع الجوي التصدي لتهديدات متعددة الاتجاهات في آن واحد.

غير أن الكاتب يحذر من أن انتشار الطائرات المسيرة القتالية لا يحل كل المشكلات. فالهندسة الجديدة تثير أسئلة جوهرية حول موثوقية روابط الاتصال وسلوك البرمجيات الذاتية. فقد يؤدي التشويش الإلكتروني إلى قطع رابط البيانات وعجز المسيرة عن مواصلة مهمتها، كما قد يتخذ النظام الذاتي قراراً خاطئاً في وضع غير متوقع فيعرض القوات الصديقة للخطر. 

ويستشهد بحادثة الطائرة الروسية إس-70 أوخوتنيك التي فقدت السيطرة وأُسقطت فوق أوكرانيا في تشرين الأول/أكتوبر 2024، معتبراً إياها مثالاً ملموساً يشير إلى مشكلة تتجاوز مجرد فقدان المنصة: فالمنصة التي تفلت من السيطرة قد تشكل تهديداً لقواتها نفسها. لذا فإن النجاح في قتال المستقبل لن يقتصر على إنتاج أكثر المسيرات تطوراً، بل سيتوقف أيضاً على سلوك النظام عند انقطاع الروابط، واستمرار المهمة تحت الهجوم الإلكتروني، والقرارات التي يشرف عليها الإنسان.

وفي ما يتعلق بتركيا، يقول كاندمير إنها تنقل خبرتها العملياتية في المسيرات إلى طائرات قتالية نفاثة. ويمثل بايراكتار كيزيل إلما وأنكا-3 التي تطورها توساش بعدين مختلفين لهذا التحول: فالأولى تبرز كمسيرة قتالية قادرة على المشاركة في القتال الجوي، بينما تركز الثانية بتصميمها ذي الجناح الطائر والرؤية الرادارية المنخفضة على الضربات العميقة وتعطيل الدفاع الجوي المعادي. ويُعد عمل مقاتلة كان المستقبلية مع مثل هذه المنصات هدفاً مهماً لهندسة القوة الجوية التركية. 

غير أنه يؤكد ضرورة التمييز بين إثبات قدرة المأهول وغير المأهول على الطيران معاً وبين بناء شبكة قتالية عملياتية. فاختبارات الطيران المشتركة بين كيزيل إلما وإم-346 ضمن تعاون بايكار وليوناردو تمثل مرحلة مهمة في نقل الأوامر من مأهول إلى مسير وتنفيذ حركات تشكيل ذاتية، لكنها لا تُقيَّم بالمستوى العملياتي نفسه لاختبار القيادة التكتيكية الأمريكي بين إف-22 وواي إف كيو-44إيه، لاختلاف نطاق المهام وخصائص منصات القيادة.

ويحدد الكاتب المسألة الأساسية أمام تركيا في جمع المنصات التي تطورها شركات مختلفة ضمن هندسة قيادة وسيطرة مشتركة. فلكي تعمل كان وكيزيل إلما وأنكا-3 معاً، ثمة حاجة إلى روابط بيانات آمنة مقاومة للتشويش، ومعايير برمجية مشتركة، وأنظمة تخفف عبء القرار على الطيار. 

كما يلزم اختبار شامل لإدارة الطيران والمهام المدعومة بالذكاء الاصطناعي في ظروف طيران حقيقية، إذ لا يمكن افتراض أن نظاماً ناجحاً في المحاكاة سيؤدي الأداء ذاته في بيئة قتالية كثيفة الحرب الإلكترونية ومليئة بعدم اليقين.

ويختتم كاندمير بالإشارة إلى أن التحول في القوة الجوية يسرّع الانتقال من المنافسة المتمحورة حول المنصة إلى نظام قتالي متمحور حول الشبكة. وهذا لا يجعل السرعة أو المناورة أو الرؤية الرادارية غير مهمة، بل يجعل قيمتها في القتال مرهونة بكيفية دمجها مع العناصر الأخرى. 

وتبني تركيا قدرة إنتاج وتطوير مهمة بمنصات مثل كيزيل إلما وأنكا-3، لكن تحول هذه القدرة إلى تفوق عسكري دائم يعتمد على تطوير أنظمة القيادة والسيطرة المشتركة والعمل الموثوق بين المأهول وغير المأهول. 

فالتفوق في قتال المستقبل لن يُحسم بامتلاك أكثر الطائرات تطوراً بمفردها، بل بالقدرة على دمج أجهزة الاستشعار والأسلحة والقدرات الذاتية لمختلف المنصات ضمن مفهوم عملياتي واحد. وهذا هو الهدف الاستراتيجي أمام تركيا: تحويل نجاحات المنصات الحالية إلى مثل هذه الهندسة النظامية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!