ترك برس

تناول مقال تحليلي للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، التحول في العلاقات التركية السعودية من التقارب الدبلوماسي والشراكة الاستراتيجية إلى تحالف أمني ودفاعي أوسع، في ضوء التحديات الإقليمية المتصاعدة، ولا سيما الحرب على غزة والتوترات مع إيران والتهديدات التي تواجه دول المنطقة. 

يسلط أويصال الضوء على دور «تحالف مكة» الذي يضم تركيا والسعودية وباكستان في تعزيز الأمن المشترك، وتكامل القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري ومشروعات النقل والطاقة. 

كما يبرز تنامي التنسيق الدبلوماسي بين أنقرة والرياض في القضايا الإقليمية والدولية، معتبرًا أن هذا التقارب قد يشكل بديلًا إقليميًا قائمًا على التعاون والاستقرار والتنمية. وفيما يلي نص المقال:

اتسمت العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية منذ زمن طويل بطابع ودي، ورغم تصاعد التوترات بين البلدين خلال مرحلة الربيع العربي، فإن العلاقات شهدت انفراجًا تدريجيًا، ودخلت مرحلة جديدة مع تبادل الزيارات رفيعة المستوى عام 2022. وفي عام 2023، أسهمت الاتفاقيات الموقعة في مجالات الاتصالات والاستثمار والطاقة والدفاع في إرساء أسس مؤسسية لهذا التقارب. كما عززت زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الرياض في فبراير 2026 إرادة البلدين في بناء شراكة طويلة الأمد. أما "تحالف مكة" الذي تأسس في أغسطس من العام نفسه بمشاركة باكستان، فقد نقل العلاقات من مستوى الشراكة الاستراتيجية إلى مستوى أعمق من وحدة المصير. ويستدعي هذا التحول التاريخي في طبيعة العلاقات بين البلدين تحليلًا معمقًا لأبعاده ودلالاته.

وأصبح التعاون الأمني أبرز أبعاد هذا التحول الجذري الذي يشمل أيضًا المجالات الاقتصادية والدبلوماسية. فقد أثارت الحرب على غزة والتهديدات الإسرائيلية المتزايدة للمنطقة، إلى جانب تركيز إيران على استهداف دول الخليج خلال حربها مع الولايات المتحدة، حالة من القلق في عموم المنطقة. ورغم تجميد الحرب قبيل الانتخابات الأمريكية، لا يزال الغموض يكتنف مسارها المستقبلي واحتمالات استئنافها، في وقت تتزايد فيه المخاوف المرتبطة بالأمن وعدم الاستقرار وتتعاظم التحديات التنموية، مما يعزز الحاجة إلى إيجاد حلول فعّالة لهذه الأزمات. وانطلاقًا من هذه الضرورات الأمنية، وقّعت تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان في 7 أغسطس 2026 "اتفاق مكة للدفاع المشترك".

وبموجب هذا التحالف، يُعدّ أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الأعضاء اعتداءً على جميع الدول المشاركة، مما يوسّع نطاق المسؤولية الأمنية المتبادلة بينها. وكانت العلاقات التركية الباكستانية، وكذلك العلاقات الباكستانية السعودية، تتمتع أصلًا بمتانة كبيرة قبل قيام تحالف مكة، فيما شهدت العلاقات التركية السعودية خلال الفترة الأخيرة تطورًا نوعيًا نحو مستويات متقدمة من التعاون. وتتكامل في إطار هذا التحالف الخبرة العسكرية التركية وقدرات صناعاتها الدفاعية مع الإمكانات الاقتصادية للمملكة العربية السعودية وموقعها الاستراتيجي، في حين تعزز مشاركة باكستان، بوصفها دولة تمتلك السلاح النووي، العمق العسكري والجغرافي لهذه الشراكة.

ويبدو أن الحوثيين المدعومين من إيران سعوا إلى فرض أمر واقع جديد في اليمن قبل دخول هذا التحالف حيّز التنفيذ. فمن جهة، وسّعوا مناطق سيطرتهم على الساحل الشرقي، ومن جهة أخرى، شنّوا هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المملكة العربية السعودية. ونظرًا إلى أن هذه التحركات شكّلت تحديًا مباشرًا للتحالف، فقد تسارعت وتيرة الاستعدادات التي كان من المفترض أن تستغرق سنوات في الظروف العادية. وخلال الاجتماع الذي عقدته الدول الثلاث في الرياض يوم 5 أكتوبر، تقرر المضي قدمًا في تنفيذ التزامات الدفاع المشترك.

سيتعمق التعاون الدفاعي بين البلدين من خلال الإنتاج المشترك وتبادل التكنولوجيا، مستفيدًا من تكامل القدرات الإنتاجية والتكنولوجية التركية مع الإمكانات المالية السعودية. وتتوافق الخبرات التركية المتقدمة في مجالات الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والمركبات المدرعة والذخائر مع مساعي المملكة العربية السعودية إلى توطين صناعاتها الدفاعية. ويحقق الإنتاج المشترك والتعاون في الصناعات الدفاعية مصالح متبادلة للبلدين، وقد اكتسب هذا التعاون طابعًا أكثر إلحاحًا في ظل حالة الحرب التي تشهدها المنطقة حاليًا. ولا يقتصر هذا التكامل على المجال الأمني، بل يمتد أيضًا إلى المجال الاقتصادي.

ويمكن أن يمتد هذا التكامل بين البلدين إلى مجالات الطاقة والإنتاج الصناعي، والزراعة، والسياحة، والخدمات. ويشير حجم التبادل التجاري المتواضع بين البلدين، الذي يبلغ نحو 7 مليارات دولار، إلى وجود إمكانات هائلة للنمو، إذ يمكن أن يرتفع إلى ما بين 40 و50 مليار دولار. كما تتيح «رؤية السعودية 2030» فرصًا واسعة للشركات التركية في قطاعات البناء والبنية التحتية والسياحة والصحة والتعدين والتقنيات الرقمية. ويتوسع هذا التعاون أيضًا في قطاع النقل والمواصلات، مع تزايد الاهتمام بإحياء خط سكة حديد الحجاز التاريخي وتعزيز الربط البري بين البلدين عبر الأراضي السورية.

أما على الصعيد الدبلوماسي، فتتعاون تركيا والمملكة العربية السعودية في إطار المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين ومنظمة التعاون الإسلامي. وقد بدأت حالة التنافس النسبي التي كانت تطبع بعض جوانب العلاقات سابقًا تتحول تدريجيًا إلى تعاون متزايد. كما سهّلت المملكة العربية السعودية إجراءات التأشيرات والإقامة للمواطنين الأتراك. ويتعاون البلدان في دعم القضية الفلسطينية وتعزيز الاستقرار والتنمية في سوريا والسودان والصومال، وأمن البحر الأحمر والبحر المتوسط. وفي هذا السياق، يمثّل التقارب التركي السعودي بديلًا إقليميًا قويًا يقوم على إعطاء الأولوية للتعاون والاستقرار والتنمية، في مواجهة النهج القائم على الصراعات والتوسع الإقليمي الذي تتبناه إيران وإسرائيل. ومن المتوقع أن تتضح الثمار الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية لهذا التقارب بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!