ترم برس

كان مفهوم السيادة يرتبط تقليدياً بحدود جغرافية واضحة، وبوابات جمركية، وخرائط، ويُقاس بقوة الدولة من خلال اتساع أراضيها ومواردها وولاء سكانها. أما اليوم فقد انتقل الجبهة الأهم للسيادة من الخريطة إلى مراكز البيانات والكابلات البصرية ومنطق عمل الخوارزميات. 

وفي هذا السياق، يقدم الكاتب والمحلل التركي جهاد إسلام يلماز، المنسق العام لمركز غوفنسام، إطاراً مفاهيمياً جديداً لفهم التحول الذي شهدته الاستخبارات الوطنية التركية (ميت) في السنوات الأخيرة، أسماه «انعكاس السيادة الرقمية».

يقول الكاتب إن هذا المفهوم يعبر عن ظهور دافع للسيطرة على تدفقات البيانات والقنوات الخوارزمية وسلسلة المعلومات، كانعكاس جديد يكمل العقيدة الاستخباراتية الكلاسيكية، بل يصبح مع الزمن جزءاً لا يتجزأ منها. ويوضح أن الفكر الجيوسياسي التقليدي يعرّف القوة بعناصر مادية مثل عدد الجنود والعمق الجغرافي والموارد الطبيعية والسكان. 

غير أن أياً من هذه العناصر لم يعد كافياً بمفرده في الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين للدلالة على قوة الدولة. فبإمكان دولة أن تحمي حدودها وتحدث جيشها، لكن إذا بقيت البنية التحتية للاتصالات وأنظمة التخزين السحابي ونماذج الذكاء الاصطناعي تحت سيطرة فاعلين أجانب، فإن سيادتها الحقيقية تتعرض لتآكل خطير.

ويؤكد يلماز أن «انعكاس السيادة الرقمية» هو استيعاب هذه الحقيقة على مستوى الأجهزة الاستخباراتية. فتطوير ميت لهذا الانعكاس ليس مجرد تكيف تكنولوجي، بل انعكاس لسعي الدولة إلى إعادة تعريف أساس وجودها. وهنا يميز الكاتب بين السيادة الرقمية والأمن السيبراني: فالأمن السيبراني موقف دفاعي يركز على منع الهجمات وحماية الأنظمة، بينما يعبر انعكاس السيادة الرقمية عن موقف أوسع وأكثر نشاطاً، يتمثل في السعي إلى الهيمنة على تدفق البيانات ذاته، والقنوات التي يمر بها، والخوارزميات التي تعالجه، وسلسلة المعلومات التي ينتمي إليها. إنه ليس درعاً سلبياً، بل تموضعاً فاعلاً.

وينتقل الكاتب إلى القيمة الاستراتيجية لتدفقات البيانات، مشيراً إلى أن بيانات المواطنين ارتقت إلى مرتبة مورد طبيعي جديد. لكنها تختلف عن النفط أو الغاز في أنها لا تبقى في مكان استخراجها، بل تتدفق باستمرار عابرة الحدود بين خوادم السحابة. وهذه السيولة هي إحدى النقاط التي يواجه فيها مفهوم السيادة التقليدي أكبر التحديات. فبالنسبة لجهاز استخباراتي، لم تعد المسألة الأساسية «من يقوم بالتجسس»، بل «أي بيانات تسلك أي مسار، ومن يسيطر على هذا المسار». 

ويلاحظ يلماز أن ما يميز انعكاس ميت في هذا المجال هو التعامل مع القضية كتموضع استراتيجي لا كمشكلة أمنية تقنية فحسب. فقد أصبحت البنية التحتية المادية لتدفقات البيانات —الكابلات البحرية والروابط الفضائية ومراكز البيانات— في أعلى مراتب البنية التحتية الحيوية. 

ومعرفة أين تُخزن بيانات المواطن، وأي نظام قانوني تخضع له، ومستوى حمايتها، أصبحت مسألة حيوية بقدر أمن الحدود. ويمكن قراءة انعكاس السيادة الرقمية بوصفه «وعياً حدودياً جديداً»، حيث تُرسم الحدود اليوم عبر البروتوكولات والخوادم ومراكز البيانات أيضاً.

أما البعد الأكثر أصالة في هذا الانعكاس، بحسب الكاتب، فهو الحساسية تجاه القنوات الخوارزمية. فالمعلومة لم تعد تُفلتر أو تُرتب أو تُوزع يدوياً، بل عبر خوارزميات تحدد إلى حد كبير ما إذا كان خبر ما سيصل إلى الملايين، أو إلى أي مدى سيشغل خطاب معين الأجندة الاجتماعية. وهذا يفتح مجالاً جديداً أمام الأجهزة الاستخباراتية: فهم آليات عمل هذه القنوات، وإدراك المصالح التي تخدمها، والسهر عند الحاجة على توافقها مع المصالح الوطنية. 

وهنا يدخل مفهوم «سلسلة المعلومات»، أي المسار الطويل متعدد الطبقات من المصدر إلى المعالجة فالتوزيع وصولاً إلى المستهلك. وكل حلقة في هذه السلسلة نقطة محتملة للتدخل أو التلاعب. لذا يسعى انعكاس السيادة الرقمية إلى نظرة شمولية للكل لا جزئية. ويشير يلماز إلى أن مقاربة ميت تتطور من جمع المعلومات الكلاسيكي نحو تبني مسؤولية عن سلامة عمل النظام المعلوماتي برمته.

ويربط الكاتب هذا التحول بعصر الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن بيانات تدريب النماذج تحدد اللغة والسياق الثقافي والقيم التي «تفكر» بها. فالقدرة على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي حساسة للغة الوطنية والأكواد الثقافية، أو على الأقل فهم آلياتها، ستصبح مسألة استراتيجية لحماية الذاكرة الاجتماعية والهوية. ويمكن اعتبار انعكاس السيادة الرقمية حساسية عقائدية تستشرف هذا المستقبل من اليوم.

وفي الحديث عن دلائل التحول العقائدي، يؤكد يلماز أن المقصود بالانعكاس هو تحول السلوك المؤسسي إلى رد فعل شبه تلقائي يسبق الوثيقة الاستراتيجية الواعية. فليس الأمر مجرد إعلان سياسة بأهمية أمن البيانات، بل أن يصبح السؤال الأول أمام كل تطور تكنولوجي جديد: «كيف يؤثر هذا على سيادتنا الوطنية في مجال البيانات؟». 

كما يلفت إلى التوازن بين الدفاع والمبادرة: فالمقاربة لا تقتصر على التصدي للتهديدات الخارجية، بل تتجه إلى تطوير البنية التحتية الرقمية الوطنية، وقدرات معالجة البيانات، والأدوات الخوارزمية الخاصة. 

ويمكن قراءة جهود تطوير البرمجيات المحلية والوطنية، ومبادرات بناء بنية سحابية خاصة، والتعزيز المستمر للقدرات السيبرانية، بوصفها تجليات ملموسة لهذا الانعكاس. وهي تقلل الاعتماد الخارجي وتهيئ الأرضية لسماع صوت البلاد في النظام الرقمي الدولي.

أخيراً، يشير الكاتب إلى البعد المتعلق بالثقة المجتمعية. فثقة المواطنين بمكان وكيفية ومن يعالج بياناتهم عنصر لا غنى عنه لسير التحول الرقمي بشكل سليم. ودور الأجهزة الاستخباراتية في بناء هذه الثقة يتجاوز الصورة التقليدية لـ«المراقب» إلى موقع «الحامي». ويسهم انعكاس السيادة الرقمية في تفعيل هذه الوظيفة الحمائية عند أخطر نقاط تدفقات البيانات، بما يعزز الأساس الأمني للمواطنة الرقمية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!