
ترك برس
تشهد فرنسا، التي طالما قدمت للعالم دروساً في الحرية والمساواة والأخوة، واحدة من أخطر الاختبارات التي تواجه نموذجها الجمهوري. فما يحدث في شوارعها ليس مجرد اضطراب أمني أو نقاش حول الهجرة، بل أزمة متعددة الأبعاد تكشف عن ضغوط اقتصادية واجتماعية عميقة قد تلقي بظلالها على مستقبل أوروبا كلها.
يقول الكاتب ليفنت إرسين أوراللي في مقال تحليلي نشرته صحيفة «ستار» إن «فرنسا تواجه أحد أخطر امتحانات نموذجها الجمهوري الذي علّم العالم يوماً دروس الحرية والمساواة والأخوة. ولا يكفي تفسير الغضب المتصاعد في الشوارع بمشكلة أمنية أو نقاش حول الهجرة. فنحن أمام أزمة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية والانقسام الاجتماعي واستبعاد جزء من السكان من أصول مهاجرة وتراكم انعدام الثقة في العلاقة بين الدولة والمجتمع».
ويوضح أوراللي أن الاقتصاد الفرنسي لم ينهار، لكنه يواجه ضغوطاً مالية شديدة. فقد بلغ الدين العام في عام 2026 نحو 3.5 تريليون يورو، أي ما يعادل 116% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما سجل العجز في الميزانية 152.5 مليار يورو (5.1% من الناتج). ونما الاقتصاد بنسبة 0.9% فقط في عام 2025، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يتراجع النمو إلى 0.4% هذا العام.
ويشير الكاتب إلى أن هذا الوضع يضيق مساحة الحركة المالية أمام فرنسا وهي تحاول الحفاظ على مستويات عالية من الإنفاق العام ونظام الدولة الاجتماعية الواسع.
غير أن المشكلة الأعمق، بحسب التحليل، تكمن في أن ثمار النمو الاقتصادي لا تصل إلى جميع شرائح المجتمع بالقدر نفسه. فالهوة بين الأحياء الثرية في وسط باريس والضواحي المحرومة تمثل أحد أبرز تناقضات صورة الرفاه الفرنسي.
ويعيش الشباب في الأحياء المحرومة أوضاعاً صعبة من حيث البطالة والتعليم الجيد والسكن والفرص المهنية، ما يجعلهم يشعرون بأن المساواة التي تعد بها الجمهورية لا تتحقق في حياتهم اليومية. ويؤكد أوراللي أن الاستبعاد الاقتصادي وحده لا يفسر العنف، لكنه حين يقترن بانعدام الثقة في المؤسسات يغذي الغضب الاجتماعي.
ويرى الكاتب أن ملف الهجرة والاندماج جزء أساسي من هذه الصورة. ويقول إن التعامل مع الهجرة عبر ضبط الحدود وتصاريح الإقامة والسياسات الأمنية فقط غير كافٍ، ويجب أن يشمل التعليم اللغوي والتوظيف والإسكان ونجاح المدارس ومكافحة التمييز.
فالحصول على الجنسية الفرنسية قانونياً لا يعني بالضرورة الشعور بتكافؤ الفرص في المجتمع. ويضيف أن امتحان النموذج الجمهوري يكمن في تحويل فكرة المواطنة المشتركة من مبدأ دستوري إلى واقع يومي يعيشه الجميع.
ويشدد أوراللي على أن هذه التحليلات لا تبرر العنف بأي حال. فحرق المباني العامة ونهب المحال وتهديد الناس لا يتوافق مع العدالة الاجتماعية ولا مع حرية المطالبة بالحقوق. والدولة ملزمة بحفظ النظام العام، لكن السياسات الأمنية يجب أن تقوم على القانون والتناسب والمساءلة. ويؤكد أن قمع العنف وفهم الظروف التي تغذيّه ليسا بديلين متضادين.
ويشير الكاتب إلى أن النقاش السياسي في فرنسا غالباً ما ينحصر في محورين ضيقين: أحدهما يركز على الأمن والعقاب، والآخر يبرز المشكلات الهيكلية على حساب المسؤولية الفردية. أما الحل الدائم فيتطلب تعزيز سلطة الدولة مع تحقيق نتائج ملموسة في التعليم والتوظيف والاندماج الاجتماعي.
ويلاحظ أن اندلاع اضطرابات أكبر بعد ثلاث سنوات فقط من أحداث 2023 يدل على استمرار المشكلات الجذرية. فالمسألة الحقيقية أمام فرنسا ليست قمع موجة شارع جديدة بقدر ما هي تغيير الظروف التي تجعل مثل هذه الانفجارات ممكنة.
ويختم أوراللي بالتذكير بأن قيم الثورة الفرنسية الثلاث – الحرية والمساواة والأخوة – ما زالت شعار الجمهورية، لكنها لا تكتسب معناها إلا حين يعيشها مختلف فئات المجتمع فعلياً، لا حين تبقى مكتوبة على الجدران. ويتساءل: لماذا يشعر بعض المواطنين بأنهم خارج النظام رغم وعود الجمهورية بالمساواة للجميع؟
ويؤكد أن قوة الدولة الحقيقية لا تقاس بحجم اقتصادها أو جيشها أو نفوذها الدولي فقط، بل بشرعيتها وقدرة مختلف شرائح المجتمع على الإيمان بمستقبل مشترك. فما يحدث في شوارع فرنسا يعيد طرح هذا السؤال الجوهري على أوروبا كلها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











