ترك برس

على امتداد الساحل الجنوبي لتركيا، حيث تمتزج زرقة البحر المتوسط بامتداد الجبال والسهول الساحلية، تقف قلاع تاريخية شاهدة على قرون من الصراعات والتحولات الحضارية التي رسمت ملامح الأناضول. وبين هذه المعالم، تبرز قلعة معمورة في ولاية مرسين، بمنشآتها الدفاعية وأبراجها الحجرية وساحاتها الداخلية، باعتبارها واحدة من أبرز القلاع التي حافظت على قدر كبير من بنيتها الأصلية، وحملت آثار حضارات متعاقبة من العهدين الروماني والبيزنطي إلى العصرين السلجوقي والعثماني.

وتقع القلعة في منطقة بوزدوغان التابعة لقضاء أنامور، على الطريق الساحلي الرابط بين أنطاليا ومرسين، على بعد نحو 6 كيلومترات إلى الشرق من مركز أنامور. ويمنحها موقعها المطل على البحر قيمة استراتيجية وتاريخية، إذ تكشف أسوارها عن أهمية التحصينات الساحلية في حماية طرق المواصلات والمراكز السكنية والتجارية على طول البحر المتوسط.

وتُعد قلعة معمورة من أبرز المعالم التاريخية في ولاية مرسين، كما أُدرجت عام 2012 على القائمة التمهيدية للتراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، في خطوة تعكس قيمتها التاريخية والمعمارية ضمن التراث الثقافي التركي.

جذور قديمة وحكاية تأسيس تعود إلى العصور الوسطى

لا يزال التاريخ الدقيق لتشييد قلعة معمورة غير محسوم، غير أن المعطيات الأثرية تشير إلى أنها أُقيمت فوق أساسات تعود إلى منشآت قديمة، يُعتقد أنها ارتبطت بمدينة ريغ-موناي الرومانية. وتدل هذه الطبقات التاريخية على أن المنطقة كانت مأهولة قبل تشييد القلعة بصورتها المعروفة، وأن موقعها الساحلي ظل محتفظا بأهميته عبر مراحل زمنية مختلفة.

وتشير وزارة الثقافة والسياحة التركية إلى أن القلعة، مثل العديد من حصون الأناضول، تجمع بين الأساسات القديمة والمنشآت التي أُضيفت إليها في عصور لاحقة، وهو ما يفسر تنوع عناصرها المعمارية واختلاف مراحل البناء والترميم التي مرت بها.

وتروي المصادر التاريخية المحلية أن القلعة دخلت مرحلة جديدة في أوائل القرن الرابع عشر، عندما استولى عليها حاكم إمارة قرمان، محمود بك، خلال حملاته في المنطقة. ووفقا لما أورده كتاب «شيكاري» التاريخي، أعاد محمود بك إعمار القلعة وأقام مسجدا داخلها، وأطلق عليها اسم «مامورية»، في إشارة إلى إعادة إعمارها وتأهيلها.

وتبقى هذه الرواية جزءا من الذاكرة التاريخية المرتبطة بالقلعة، فيما توفر المنشآت الباقية والنقوش المعمارية شواهد مادية تساعد على تتبع تطورها عبر العصور.

تحصينات تمتد على مساحة واسعة

تتميز قلعة معمورة بتصميم دفاعي متكامل يجمع بين القلعة الخارجية والساحة الداخلية والحصن الداخلي، بما يعكس مراعاة طبيعة الموقع الساحلي ومتطلبات الدفاع عن المنشأة.

وتبلغ مساحة القلعة نحو 23 ألفا و500 متر مربع، وفقا لبيانات مركز التراث العالمي التابع لليونسكو، وتضم 39 برجا تتصل فيما بينها بممرات تسمح بالتنقل على امتداد الأسوار ومراقبة المناطق المحيطة.

وتتوزع المنشآت على ثلاثة أقسام رئيسية، تشمل القلعة الخارجية في الجهة الغربية، والساحة الداخلية في الجهة الشرقية، والحصن الداخلي المقام فوق الصخور في الجزء الجنوبي. وتربط بين هذه الأقسام ممرات ومساحات تتيح الحركة بين المنشآت المختلفة، فيما تنتشر الأبراج على طول التحصينات لتوفير نقاط للمراقبة والدفاع.

وكانت القلعة محاطة بخندق دفاعي يفصل أجزاء من تحصيناتها عن المناطق الخارجية، في حين أُنشئت فتحات مراقبة ونوافذ دفاعية تساعد على رصد التحركات القادمة من البر والبحر.

وتكشف طريقة البناء عن خبرة معمارية تجمع بين الاستفادة من التضاريس الطبيعية واستخدام المواد المحلية؛ إذ شُيدت الأسوار والأبراج بأحجار متنوعة، مع استخدام الملاط المعروف باسم «هورتاسان»، وهو مزيج تقليدي استُخدم في عدد من المنشآت التاريخية في الأناضول. كما استُخدمت الأحجار الكبيرة في بعض مداخل القلعة وحواف النوافذ، بما يعزز متانة هذه الأجزاء ويبرز تفاصيلها المعمارية.

بوابة تاريخية وأبراج تروي حكايات الدفاع

لا تمثل أسوار معمورة مجرد حدود حجرية تحيط بموقع تاريخي، بل تعكس منظومة دفاعية صُممت لمراقبة الطرق البرية والساحلية وتأمين المنشآت الواقعة داخل القلعة.

وكان المدخل الأصلي للقلعة يقع في الجهة الشمالية من الساحة الداخلية، بين برجين ذوي مخطط رباعي، وتعلوه كتابة توثيقية تساعد على دراسة تاريخ المنشأة. أما المدخل المستخدم حاليا، فليس هو البوابة الأصلية التي كانت تؤدي إلى داخل الحصن.

وكانت الحركة بين المدخل الخارجي والساحات الداخلية تمر عبر منظومة من الممرات والتحصينات، كما ارتبطت البوابة الأصلية بجسر يعبر الخندق الدفاعي. ولم يبق الجسر قائما بصورته الأصلية، إلا أن آثار المنطقة المحيطة تساعد على تصور كيفية تنظيم الوصول إلى القلعة في الماضي.

وتمنح الأبراج المتعددة الزائر فرصة للتعرف على أساليب التحصين التي استخدمت في القلاع الساحلية، حيث أتاحت مواقعها المرتفعة مراقبة البحر والمناطق المحيطة، فيما وفرت الأسوار السميكة حماية إضافية للمنشآت الواقعة داخلها.

آثار رومانية تكشف تاريخ المنطقة قبل القلعة

لا تقتصر أهمية معمورة على التحصينات التي تعود إلى العصور الوسطى، إذ كشفت أعمال التنقيب الأثري عن بقايا تعود إلى مرحلة أقدم من تاريخ الموقع.

ففي عام 1988، أجرى متحف أنامور أعمال تنقيب إنقاذية داخل المنطقة، أسفرت عن اكتشاف بقايا مبانٍ يُعتقد أنها كانت تستخدم مساكن وحماما، وشُيدت جدرانها من الأحجار غير المنتظمة باستخدام الملاط التقليدي، فيما زُينت أرضيات بعض الغرف بالفسيفساء.

ويرجح الباحثون أن هذه الآثار تعود إلى مدينة ريغ-موناي القديمة، التي يُعتقد أنها كانت قائمة في المنطقة خلال العصر الروماني. كما عُثر خلال التنقيبات على كميات من القطع الفخارية التي تعود إلى أواخر العصر الروماني، ما يوفر أدلة إضافية على طبيعة الاستيطان في الموقع خلال تلك المرحلة.

وتساعد هذه الاكتشافات على فهم العلاقة بين المدينة القديمة والقلعة التي شُيدت فوق أساساتها أو بالقرب منها، كما تبرز كيف أعادت المجتمعات اللاحقة استخدام المواقع الاستراتيجية القديمة لتلبية احتياجاتها الدفاعية والعمرانية.

مسجد القلعة.. امتداد للعمارة التركية الإسلامية

يحتضن الجزء الداخلي من قلعة معمورة مسجدا تاريخيا يمثل أحد أبرز عناصرها المعمارية، ويعكس حضور العمارة الإسلامية في المنطقة خلال العصور الوسطى.

وتشير المعلومات الرسمية التركية إلى أن البناء الأول للمسجد يرتبط بعهد إمارة قرمان، قبل أن يشهد مراحل لاحقة من الاستخدام والتعديلات. وتحمل ملامحه عناصر من العمارة العثمانية الكلاسيكية التي ظهرت في القرن السادس عشر، بما يشير إلى أن المبنى مر بمراحل تطور وترميم عبر الزمن.

ويمكن الدخول إلى المسجد عبر باب حجري ذي قوس منخفض، يقع ضمن إطار حجري يحيط بمدخل غائر. وفي الداخل، تنتقل القبة المركزية إلى قاعدة مثمنة بواسطة عناصر معمارية مثلثة، بينما يقع المحراب في الجدار المقابل للمدخل، داخل تجويف حجري مستطيل مزين بتفاصيل زخرفية مقرنصة.

أما في الواجهة الشمالية، فيوجد رواق للصلاة قبل الدخول إلى المسجد، تحمله أعمدة خشبية. ولا تعود جميع عناصر هذا الرواق إلى البناء الأصلي، إذ تعرضت المنشأة لتغييرات وإصلاحات خلال مراحل استخدامها المختلفة.

ويكشف المسجد عن الدور الذي أدته القلاع في العصور الوسطى، إذ لم تقتصر وظائفها على الدفاع والمراقبة، بل ضمت أيضا منشآت دينية وخدمية وفرت احتياجات السكان والحاميات العسكرية داخل الأسوار.

ترميمات متعاقبة لحماية الإرث التاريخي

شهدت قلعة معمورة أعمال صيانة وترميم على امتداد العقود الماضية، بهدف الحفاظ على أسوارها وأبراجها والمنشآت الداخلية التي تعرضت لعوامل التعرية وتأثيرات الزمن.

وتشير المعلومات الرسمية إلى تنفيذ أعمال ترميم في ستينيات القرن الماضي بإشراف المديرية العامة للأوقاف التركية. كما شهدت القلعة أعمال ترميم إضافية خلال الفترة بين عامي 2015 و2018، شملت أجزاء من أقسامها المعروفة بالحرفين «أ» و«ب»، ضمن جهود وزارة الثقافة والسياحة التركية للحفاظ على المعالم التاريخية.

وتكتسب أعمال الصيانة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع القلعة المكشوف للعوامل الساحلية، حيث تتعرض الأحجار والملاط لتأثيرات الرطوبة والرياح والتغيرات المناخية. كما أن الحفاظ على الممرات والأبراج والمنشآت الداخلية يتيح للباحثين دراسة تفاصيلها المعمارية، ويساعد على إبقائها متاحة للأجيال المقبلة.

وتوفر عمليات التوثيق والترميم أيضا فرصة للتعرف على مراحل البناء المختلفة، والتمييز بين الأجزاء القديمة والإضافات التي طرأت على القلعة خلال العصور المتعاقبة.

موقع على خريطة التراث العالمي

أُدرجت قلعة معمورة عام 2012 في القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو، وهي قائمة تضم مواقع ترى الدول الأعضاء أنها قد تكون مؤهلة للترشيح مستقبلا إلى قائمة التراث العالمي النهائية.

ولا يعني هذا الإدراج أن القلعة أصبحت موقعا مسجلا نهائيا على قائمة التراث العالمي، لكنه يعكس الاعتراف بقيمتها التاريخية والمعمارية، وأهمية دراسة عناصرها وحمايتها ضمن منظومة التراث الثقافي.

وتشير وزارة الثقافة والسياحة التركية إلى أن القلعة من أبرز القلاع التركية التي حافظت على قدر كبير من بنيتها الأصلية على ساحل المتوسط، فيما تبرز قيمتها في جمعها بين الأساسات القديمة والتحصينات التي تعود إلى مراحل تاريخية متعددة، إلى جانب المسجد والمنشآت الداخلية.

وتندرج معمورة ضمن مجموعة المواقع الثقافية التي تمنح ولاية مرسين تنوعا تاريخيا، إلى جانب المدن القديمة والأديرة والكنائس والمواقع الأثرية المنتشرة في أنحاء الولاية.

وجهة تجمع التاريخ وسحر الساحل المتوسطي

تمنح قلعة معمورة زوارها فرصة لاستكشاف جانب من تاريخ الأناضول عبر مبنى واحد تتداخل فيه آثار العصور القديمة والعمارة الدفاعية في العصور الوسطى والتراث الإسلامي. فبين الأبراج والأسوار والممرات والمسجد، تتجسد قصة موقع احتفظ بأهميته الاستراتيجية على مدى قرون.

كما يضيف موقعها على الطريق الساحلي بين أنطاليا ومرسين قيمة سياحية، إذ يمكن إدراجها ضمن مسارات اكتشاف التراث التاريخي والطبيعة الساحلية في جنوب تركيا، ولا سيما للزوار المهتمين بالقلاع القديمة والعمارة العسكرية وتاريخ المدن المتوسطية.

وبينما تواصل أعمال الحماية والترميم الحفاظ على معالمها، تظل قلعة معمورة شاهدا على قدرة المنشآت التاريخية على اختصار تحولات طويلة في حياة المنطقة، من المراكز القديمة التي سبقت تشييدها إلى الإمارات التركية التي أعادت بناءها، وصولا إلى جهود تركيا الحديثة لصون تراثها الثقافي وإتاحته للزوار والباحثين.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!