محمود عثمان - خاص ترك برس

تعقد في مدينة تبريز الإيرانية اليوم الجمعة، القمة التركية الروسية الإيرانية الثالثة حول سورية، حيث  يشارك فيها الرؤساء رجب طيب أردوغان، وفلاديمير بوتين بالإضافة للرئيس الإيراني حسن روحاني.

تكتسب هذه القمة أهمية خاصة، إذ تأتي عقب حالة من التوتر والاستقطاب الدولي عالي الوتيرة، ناتجة عن الحشود العسكرية الضخمة في المنطقة، وتبادل للاتهامات والتهديدات بين الأطراف ذات الصلة بالأزمة السورية، خصوصا بعد التصعيد الروسي والإيراني، بهدف شن عملية عسكرية واسعة النطاق ضد إدلب آخر قلعة للمعارضة السورية.

الحماس والاندفاع الإيراني الشديدين، والدعم الروسي اللامحدود لطهران لجهة اقتحام إدلب من خلال عملية عسكرية، تقابله معارضة شرسة من طرف تركيا، لما يمكن أن تسفر عنه هذه العملية من قتل ودمار، وموجات نزوح، وضريبة إنسانية ضخمة قد تفوق إمكانات تركيا على استيعابها.

رئيسة وزراء ألمانيا ميركل، ومن خلفها الأوربيون، يقفون إلى جانب تركيا ضد أية عملية عسكرية واسعة النطاق في إدلب، حيث ستؤدي لا محالة، لموجة نزوح كبيرة لمئات الالاف من البشر، ستكون وجهتهم تركيا ثم أوروبا.

تبذل أنقرة جهودا مضنية من أجل إقناع موسكو بالعدول عن فكرة الحسم العسكري في إدلب، مقدمة الوعود تلو الوعود، ومؤكدة قدرتها على تفكيك تنظيم النصرة، أو هيئة تحرير الشام بمسماها الأخير، وغيرها من التنظيمات الإرهابية المصنفة على لوائح الإرهاب بحسب الأمم المتحدة.

عمليا ليس بمقدور أنقرة القيام بهذه المهمة الشاقة والمعقدة بمفردها. صحيح أنها قطعت شوطا كبيرا بهذا المجال، وحققت نجاحات لا يستهان بها. حيث تمكنت من إقناع قطاعات كبيرة، ومؤسسات وفصائل عديدة بترك جبهة النصرة، وحل نفسها كما حدث لحكومة الإنقاذ التابعة للجبهة.

المنضوون تحت راية جبهة النصرة من المقاتلين السوريين، غالبيتهم العظمى انضمت إليها بدوافع معيشية وليس نتيجة قناعات أيدولوجية، كما هي الحال لدى المقاتلين الأجانب. وبالتالي فإن عملية إقناع هؤلاء سهلة، كما أن دمجهم في تشكيلات ومؤسسات وطنية تابعة للمعارضة أمر في غاية السهولة، وقد تحققت انجازات مهمة بهذا المجال.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في كيفية وطريقة إخراج المقاتلين الأجانب من إدلب. حيث تحتاج عملية إخراجهم إلى اتفاق دولي وتعاون أممي، وهذا ما تدعو إليه تركيا وتسعى لتحقيقه.

في الوقت الذي كانت تجري فيه جولة مباحثات مجموعات العمل التركية الروسية بشأن سورية في العاصمة أنقرة، كان الطيران الحربي الروسي يمطر سماء إدلب بوابل من القنابل المدمرة.

رسالة أخرى جاءت هذا اليوم من الشريك الروسي، حيث قامت الطائرات الحربية الروسية باستهداف مركز الدفاع المدني في بلدة التمانعة بريف إدلب الجنوبي مما أدى لخروجه عن الخدمة بشكل كامل.

هناك إجماع دولي على طي صفحة إدلب. لكن لكل طرف رؤيته المختلفة حول كيفية القيام بذلك.

من الناحية العسكرية لا قدرة لنظام الأسد على القيام بعمل عسكري واسع النطاق في إدلب، كما لا قدرة للمليشيات الإيرانية على ذلك، إلا من خلال الدعم والغطاء الجوي الروسي.

لا مانع لدى اللاعب الأمريكي أن تتلطخ أيادي الجميع بالدماء في إدلب. حيث في نهاية المطاف سيقوم هو بوضعهم جميعا في قفص الاتهام، تمهيداً لفرض قواعد الحل السياسي.

الجانب الإيراني يريد تحصين وجوده العسكري والاقتصادي والمدني في سورية، قبيل العقوبات الأمريكية الجديدة في نوفمبر/ تشرين ثاني المقبل على طهران.

في 6 أغسطس الماضي، أعادت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية على طهران، مرتبطة بصادرات وواردات بعض السلع، والحركات المالية، وتتحضر لفرض عقوبات جديدة بحلول نوفمبر/ تشرين ثاني المقبل.

جميع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الايرانية والبنك المركزي، فشلت في ضبط أسواق الصرف، ووقف هبوط العملة المحلية، مع اقتراب موعد الدفعة الثانية من العقوبات الأمريكية، التي من المتوقع أن تفرض حصاراً على إيران شبيه بحصار العراق بعد حرب الخليج الأولى، حيث يجري الحديث بصوت مرتفع، عن إخضاع إيران لبرنامج النفط مقابل الغذاء برعاية الأمم المتحدة.

على الجانب الآخر، واشنطن وتل أبيب تتبادلان الأدوار في حشر إيران في الزاوية، من أجل إضعافها، وإجبارها على تقليص نفوذها في سورية وعموم المنطقة، تطبيقا لاتفاقات واشنطن مع دول الخليج.

الاستهداف الاسرائيلي شبه اليومي لمواقع إيرانية حساسة في سورية، يدفع طهران للإسراع في شن العملية العسكرية ضد إدلب بأقرب وقت، لتثبيت وجودها العسكري في سورية.

واشنطن تجمع مجلس الأمن لمناقشة الوضع في إدلب. أنقرة تسعى لإقناع موسكو بالعدول عن فكرة الهجوم على إدلب. طهران في عجالة من أمرها لاقتحام إدلب.

اجتماعان لبحث الأوضاع في إدلب يعقدان غدا الجمعة، اجتماع في مجلس الأمن، و قمة ثلاثية تجمع قادة تركيا وروسيا وإيران يلتئم في مدينة تبريز الإيرانية.

جميع الطرق تؤدي إلى إدلب هذه الأيام، حيث جميع الاحتمالات قائمة. فإما أن تنطلق منها شرارة حرب إقليمية أو عالمية، يؤسس على أنقاضها نظام دولي جديد. أو يحكم العقل وتنجح الدبلوماسية الدولية في نزع فتيل الحرب، بتقاسم النفوذ بين الأطراف، دون إزهاق الأرواح وسفك الدماء البريئة.

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب في ترك برس وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس