ترك برس

يشير تقرير تحليلي إلى أن المخاوف الإسرائيلية من التحولات الجارية في سوريا لم تعد تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى معادلات إقليمية أوسع تشمل أدوار دول فاعلة مثل تركيا. فمع تصاعد التقارب السوري–الروسي وإعادة طرح ملفات الطاقة والممرات الاستراتيجية في شرق المتوسط، تبرز أنقرة كعنصر مؤثر في إعادة تشكيل توازنات النفوذ، سواء بوصفها ممراً محتملاً للغاز نحو أوروبا أو طرفاً رئيسياً في معادلات الأمن الإقليمي.

وأثار تقرير لموقع "جيروزاليم بوست" الإسرائيلي تساؤلات حول طبيعة المخاوف الإسرائيلية من توجه الحكومة السورية الجديدة لإعادة بناء قدراتها العسكرية، ولا سيما أنظمة الرادار والدفاعات الجوية، ولكن في الشرق الأوسط حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ والصراعات، لا يبدو القلق مرتبطاً بحجم السلاح نفسه فقط، باعتبار أن إعادة تأهيله تحتاج سنوات طويلة، بقدر ما يرتبط بالتحولات السياسية التي تشهدها دمشق، وبالقيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، إضافة إلى موقع سوريا الجغرافي والاقتصادي الذي يجعلها نقطة تأثير مباشرة في معادلات الأمن الإقليمي.

وينظر الاحتلال الإسرائيلي، وفق ما يلمح إليه التقرير، إلى هذه التطورات من زاوية أوسع من مجرد استعادة منظومات عسكرية مدمرة أو متقادمة، إذ يتمثل القلق الأبرز في احتمال تحول سوريا مجدداً إلى دولة قادرة على ضبط مجالها الجوي وحدودها، والاستفادة من موقعها الرابط بين المشرق والخليج وتركيا والبحر المتوسط، بما قد يحد تدريجياً من حرية الحركة الإسرائيلية التي ترسخت خلال السنوات الماضية في الأجواء السورية والمنطقة، بحسب تقرير لـ "تلفزيون سوريا".

الطاقة بوصفها لغة صراع خفي

لا يمكن قراءة التحولات السياسية بمعزل عن الطاقة، فالنفط والغاز ليسا مجرد موارد، بل أدوات لإعادة صياغة النفوذ، ضمن هذا الإطار يبرز التقارب السوري–الروسي في مجال الطاقة كتحول استراتيجي يثير اهتمامًا وقلقًا عميقًا داخل إسرائيل، فتل أبيب التي رهنت خلال العقد الأخير على التحول إلى مركز إقليمي للغاز، ترى في هذا التقارب مؤشرًا على إعادة ترتيب موازين القوة في شرق المتوسط.

تشير تقارير غربية، بما فيها تحليلات اقتصادية وأمنية نشرتها “رويترز”، إلى أن سوريا أصبحت تعتمد بشكل متزايد على النفط الروسي، سواء عبر الإمدادات المباشرة أو عبر اتفاقيات طويلة الأمد لإعادة تأهيل البنية التحتية، حيث قفزت شحنات النفط من روسيا بنسبة 75٪ لتصل إلى نحو 60,000 برميل يوميا هذا العام، مما يجعل موسكو المورد الرئيسي للنفط الخام بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، هذا الاعتماد لا يُقرأ في إسرائيل كمسألة اقتصادية فقط، بل كجزء من مشروع روسي أوسع لإعادة التموضع في المنطقة، مستفيدًا من الفراغ النسبي الذي خلفه تراجع الانخراط الأميركي. الطاقة بوصفها لغة الصراع الخفي في الشرق الأوسط.

التقارب السوري–الروسي كأداة لإعادة تشكيل المجال الطاقي شرق المتوسط

في التحليل الإسرائيلي يُنظر إلى سوريا بوصفها أكثر من مجرد دولة تعاني من أزمه طاقة، إنها عقدة جغرافية حالية يمكن أن تتحول إلى ممر استراتيجي لخطوط الغاز مستقبلا. لا سيما في ظل حالة التقارب مع روسيا التي تمتلك خبرة وقدرات ضخمة في قطاع الطاقة، الأمر الذي قد يمنح دمشق فرصة لإعادة تفعيل هذا الدور.

موسكو بدورها في ظل العقوبات الأوروبية الحاليه تبحث عن طرق بديلة للحفاظ على نفوذها في أسواق الطاقة، وقد وجدت في سوريا منصة مناسبة لذلك، لا سيما من خلال الاستثمار في البنية التحتية النفطية والغازية، ومن خلال ذلك تستطيع روسيا ليس فقط تأمين سوق إضافية، بل أيضًا التأثير في مسارات الطاقة المستقبلية.

في إسرائيل، يُنظر إلى هذا التطور بقلق، لأنه قد يعيد إحياء مشاريع قديمة لخطوط أنابيب تمر عبر سوريا، لنقل الغاز الخليجي نحو أوروبا، مثل هذه المشاريع إن تحققت ستضعف من موقع إسرائيل كمصدر بديل للغاز، وهو موقع سعت إلى ترسيخه عبر اتفاقيات مع دول أوروبية وشركات دولية.

لفهم أعمق لهذا القلق الإسرائيلي، يمكن الاستناد إلى نظريتين أساسيتين في العلاقات الدولية، تبدوان الأكثر قدرة على تفسير السلوك الإسرائيلي في هذا السياق: وهما: نظرية الواقعية الهجومية ونظرية الاعتماد المتبادل غير المتكافى.

نظرية الواقعية الهجومية، التي طورها جون ميرشايمر، تفترض أن الدول تسعى إلى تعظيم قوتها في نظام دولي فوضوي، وأنها تنظر إلى أي صعود لقوة أخرى كتهديد محتمل، من هذا المنطلق ترى إسرائيل في التقارب السوري الروسي محاولة لتعزيز نفوذ محور منافس، خاصه أن روسية ليست مجرد شريك اقتصادي لسوريا، بل لاعب عسكري وسياسي مؤثر وبالتالي فإن أي تعزيز للدور الروسي في قطاع الطاقة السوري يُفسّر كخطوة نحو زيادة نفوذ موسكو في المنطقة، وهو ما قد يحد من حرية الحركة الإسرائيلية.

أما نظرية الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فتقدم تفسيرا أكثر دقة لطبيعة العلاقة بين سوريا وروسيا  فدمشق التي تعاني من ضعف اقتصادي شديد، تصبح معتمدة بشكل كبير على موسكو في تأمين احتياجاتها من الطاقة، بينما تستفيد روسيا من هذا الاعتماد لتعزيز نفوذها السياسي، هذا النوع من العلاقات يمنح الطرف الأقوى "في هذه الحالة روسيا" قدرة على التأثير في قرارات الطرف الأضعف/ و بالنسبة لإسرائيل  فإن هذا يعني أن أي قرار سوري في قطاع الطاقة قد يكون في الواقع انعكاسًا لمصالح روسية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.

الجمع بين هاتين النظريتين يوضح لماذا تنظر إسرائيل إلى التقارب السوري–الروسي كتهديد مركب فهو ليس فقط تعزيزا لقوة خصم، بل أيضا خلق علاقة تبعية تمنح روسيا نفوذا طويل الأمد في منطقة حساسة.

الأهمية والتحديات لجميع الأطراف – شبكة مصالح متشابكة

لا يمكن فهم هذا التقارب دون تحليل ما يمثله من أهمية وما يطرحه من تحديات لكل طرف معني، إذ إن المسألة لا تقتصر على سوريا وروسيا وإسرائيل فقط، بل تمتد إلى شبكة أوسع من الفاعلين الإقليميين والدوليين.

بالنسبة لسوريا، يمثل التعاون مع روسيا في قطاع النفط والغاز مسألة بقاء اقتصادي. فالدولة التي عانت من تدمير واسع للبنية التحتية تحتاج إلى شريك قادر على إعادة تأهيل قطاعها الطاقي بسرعة، الأهمية هنى تكمن في استعادة الحد الأدنى من الاستقلال الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الواردات غير المستقرة، لكن التحدي يكمن في خطر الوقوع في تبعية طويلة الأمد لروسيا، وهو ما قد يقيّد هامش المناورة السياسي لدمشق في المستقبل.

أما روسيا فترى في سوريا فرصة استراتيجية متعددة الأبعاد، فمن ناحية  تمثل سوريا سوقا وممرا محتملًا للطاقة، ومن ناحية أخرى تعتبر منصة لتعزيز حضورها في شرق المتوسط، الأهمية بالنسبة لموسكو تكمن في قدرتها على الالتفاف جزئيًا على العقوبات الغربية عبر توسيع شبكاتها الطاقية، لكن التحديات كبيرة أبرزها المخاطر الأمنية في المنطقة، وعدم الاستقرار السياسي بسبب الحرب مع أوكرانيا، وصعوبة جذب استثمارات كبرى في بيئة لا تزال غير مستقرة. وغيرها

بالنسبة لإسرائيل، تكمن الأهمية في حماية موقعها كمصدر ناشئ للغاز، والحفاظ على تفوقها الاستراتيجي في شرق المتوسط، فالتقارب السوري–الروسي يُنظر إليه كعامل قد يهدد هذه المكانة، سواء عبر خلق منافسة مباشرة أو عبر تعزيز محور سياسي/عسكري معاد، التحدي الأساسي أمام إسرائيل يطرح سؤالا محوريا في هذه المرحلة، وهو كيفية التعامل مع هذا الواقع: هل يكون عبر التصعيد والضغط، أم عبر التكيّف وبناء تحالفات جديدة؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!