
ترك برس
تواصل تركيا خلال السنوات الأخيرة تنفيذ تحول استراتيجي واسع في قطاع الصناعات الدفاعية، مع تركيز متزايد على تطوير القدرات البحرية ضمن عقيدة “الوطن الأزرق” التي تمثل الإطار الجيوسياسي والعسكري لحماية المصالح التركية في البحار والممرات المائية الإقليمية.
ويعكس هذا التوجه إدراك أنقرة المتزايد لأهمية القوة البحرية في موازين الردع الإقليمي، وتأمين خطوط الطاقة والتجارة، وتعزيز النفوذ في البحرين الأسود والمتوسط، إضافة إلى حماية الحقوق السيادية التركية في المناطق البحرية المتنازع عليها.
وفي هذا السياق، عملت تركيا على بناء منظومة بحرية متكاملة تعتمد بصورة متزايدة على التصنيع المحلي والتكنولوجيا الوطنية، من خلال مشاريع تشمل السفن الحربية، والغواصات، والكورفيتات، والفرقاطات، وسفن الإمداد والدعم اللوجستي، إلى جانب المركبات البحرية المسيّرة والزوارق الهجومية الحديثة.
ولا تقتصر أهداف هذه المشاريع على تلبية الاحتياجات العملياتية للقوات البحرية التركية فحسب، بل تمتد إلى تقليص الاعتماد على الخارج، وتعزيز الاستقلال الصناعي والتكنولوجي، ورفع القدرة التنافسية للصناعات الدفاعية التركية عالميًا.
وقد أصبحت الصناعات البحرية الدفاعية التركية أحد أبرز المجالات التي تُظهر تطور البنية الهندسية والبحثية المحلية، إذ يجري تصميم وإنتاج معظم هذه المنصات بالتعاون بين مؤسسات الدولة وشركات الصناعات الدفاعية الوطنية، مع تصاعد ملحوظ في نسب المكوّن المحلي وأنظمة التسليح والاستشعار المطورة داخليًا.
سفينة الهجوم البرمائية متعددة الأغراض “تي جي غي أناضولو”
تُعد سفينة “تي جي غي أناضولو” (TCG Anadolu) أكبر منصة بحرية في تاريخ البحرية التركية، وأحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تعكس التحول التركي نحو بناء قدرات بحرية ذات طابع هجومي واستراتيجي بعيد المدى.
وتتمتع السفينة بقدرات واسعة على نقل كتيبة برمائية كاملة، إلى جانب المركبات القتالية والدعم اللوجستي اللازم، إلى مناطق الأزمات دون الحاجة إلى دعم مباشر من القواعد الرئيسية. كما تستطيع تنفيذ عمليات الإنزال البحري باستخدام مركبات الإنزال الموجودة داخل رصيفها الداخلي.
وتضم السفينة منصة طيران متطورة تتيح تشغيل المروحيات والطائرات المسيّرة ليلًا ونهارًا، ما يمنحها مرونة عملياتية كبيرة في تنفيذ المهام العسكرية والاستطلاعية والدعم الجوي.
ومن الجوانب اللافتة في “تي جي غي أناضولو” احتواؤها على مستشفى متكامل يضم أكثر من 30 سريرًا، وغرف عمليات، وأجهزة أشعة، ووحدات للعناية المركزة، إضافة إلى أقسام لعلاج الأسنان وغرف خاصة بالأمراض المعدية، ما يمنحها القدرة على العمل كسفينة مستشفى خلال الأزمات والكوارث الإنسانية.
ويبلغ وزن السفينة نحو 27,436 طنًا عند التحميل الكامل، فيما يصل طولها إلى 231 مترًا، وهي قادرة على تشغيل نحو 10 مروحيات أو ما يصل إلى 50 طائرة مسيّرة قتالية على سطحها، الأمر الذي يجعلها السفينة القائدة للبحرية التركية وأحد أبرز رموز القوة البحرية الجديدة لتركيا.
مشروع سفينة الإمداد البحري والدعم القتالي “ديمدج”
يمثل مشروع سفينة الإمداد البحري والدعم القتالي “ديمدج” خطوة مهمة في تعزيز قدرات الأسطول التركي على العمل بعيدًا عن القواعد الساحلية لفترات طويلة.
وقد صُممت السفينة لتوفير الوقود والمياه، بما في ذلك وقود المروحيات، للوحدات البحرية أثناء وجودها في البحر عبر أنظمة التزويد البحري المتقدمة، ما يتيح استمرار العمليات القتالية دون الحاجة إلى العودة للموانئ.
ولا تقتصر مهام “ديمدج” على الدعم اللوجستي العسكري فقط، بل تشمل أيضًا المشاركة في عمليات حفظ السلام، والاستجابة للكوارث، والمساعدات الإنسانية، وعمليات الطوارئ.
كما توفر السفينة قدرات صيانة وإصلاح للمركبات السطحية والغواصات المأهولة وغير المأهولة، إضافة إلى المروحيات والطائرات المسيّرة العاملة من على متن السفن.
وقد أُنجز القبول المؤقت للسفينة في 19 يوليو/تموز 2024، لتبدأ بذلك مرحلة الضمان والتشغيل، ومن المتوقع أن تصبح ثاني أكبر سفينة في البحرية التركية بعد “تي جي غي أناضولو”.
مشروع الفرقاطة الوطنية الخامسة “ميلغم”
يمثل مشروع السفينة الخامسة ضمن برنامج “ميلغم” نقطة تحول في الصناعات البحرية التركية، إذ ستكون أول فرقاطة وطنية بالكامل وأول سفينة من فئة الفرقاطات المكدسة التي تطورها تركيا محليًا.
ويشارك في المشروع نحو 80 مقاولًا فرعيًا لتطوير أكثر من 150 نظامًا مختلفًا، فيما يصل إجمالي عدد الشركات العاملة في التوريد والإنتاج المتخصص إلى نحو 220 شركة، ما يعكس حجم القاعدة الصناعية الدفاعية المرتبطة بالمشروع.
ويستهدف المشروع رفع نسبة المكوّن المحلي في فرقاطة “إسطنبول” إلى أكثر من 75%، مع إدخال أنظمة تسليح واستشعار وطنية جديدة إلى الخدمة لأول مرة، بما يعزز استقلالية تركيا في مجال الأنظمة البحرية القتالية.
مشروع الغواصة من الطراز الجديد “بيري ريس”
تعمل تركيا ضمن مشروع الغواصة من الطراز الجديد، المعروف باسم مشروع “بيري ريس”، على بناء ست غواصات حديثة مزودة بأنظمة دفع مستقلة عن الهواء، وذلك في ترسانة غولجوك البحرية، مع مشاركة واسعة من شركات الصناعات الدفاعية التركية.
وتمتاز هذه الغواصات بقدرتها على البقاء تحت الماء لفترات أطول مقارنة بالغواصات التقليدية، ما يمنح البحرية التركية ميزة عملياتية مهمة في الحرب تحت السطح.
كما تضم الغواصات أنظمة قتالية حديثة ومتطورة، وقد شهد المشروع استخدام منتجات محلية للمرة الأولى في منصات الغواصات التركية، ما أتاح للشركات الوطنية اكتساب خبرات استراتيجية في تصميم الغواصات وتقنياتها.
مشروع زوارق المراقبة
يهدف مشروع زوارق المراقبة إلى تلبية احتياجات قيادة خفر السواحل والمديرية العامة للأمن من خلال إنتاج 173 زورقًا لتنفيذ مهام الأمن والسلامة البحرية.
وتشمل مهام هذه الزوارق مكافحة التهريب والهجرة غير النظامية، وتأمين القواعد والموانئ والمنشآت الاستراتيجية، إضافة إلى تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ في المناطق الساحلية.
وقد جرى تصميم الزوارق بإمكانات وطنية كاملة وفق نموذج القارب أحادي الهيكل على شكل حرف V، بما يوفر سرعة ومناورة عالية.
وبدأت عمليات التسليم التدريجية منذ عام 2021، فيما وصل عدد الزوارق التي دخلت الخدمة المؤقتة حتى عام 2023 إلى 103 زوارق.
مشروع الزوارق الهجومية التركية
تسعى تركيا من خلال مشروع الزوارق الهجومية الوطنية إلى إنتاج زوارق هجومية محلية بالكامل، بدءًا من التصميم وحتى التصنيع، اعتمادًا على الخبرات المكتسبة من المشاريع الدفاعية السابقة.
ويهدف المشروع إلى تطوير زوارق تتمتع بسرعة عالية وقدرات مناورة متقدمة، إلى جانب تزويدها بأنظمة تسليح واستشعار حديثة، دون الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.
ويمثل المشروع جزءًا من توجه أوسع لبناء منظومة بحرية تركية مستقلة وقادرة على تلبية الاحتياجات العملياتية المتغيرة.
مشاريع المركبات البحرية المسيّرة
أصبحت المركبات البحرية المسيّرة أحد أهم المجالات التي تراهن عليها تركيا في مستقبل الحروب البحرية، لما توفره من قدرات عالية في الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية ومكافحة الغواصات والألغام.
وتشمل هذه المشاريع مجموعة متنوعة من المنصات البحرية الذاتية التحكم أو شبه المستقلة، القادرة على العمل منفردة أو ضمن أسراب بحرية متكاملة.
MARLIN-ASV
مركبة بحرية مسيّرة قادرة على تنفيذ مهام الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة والحرب السطحية والحرب الإلكترونية، مع إمكانية العمل بصورة مستقلة أو عبر التحكم عن بعد.
ULAQ SİDA
تُعد من أبرز المركبات البحرية المسيّرة التركية، وتتميز بقدرتها على تنفيذ مهام الحرب السطحية والحرب المضادة للغواصات، إضافة إلى مهام الاستطلاع والمراقبة.
SANCAR SİDA
مركبة بحرية متخصصة في مهام الاستطلاع ومكافحة الألغام والحرب السطحية، مع إمكانية العمل المتكامل مع منصات مأهولة وغير مأهولة.
SALVO SİDA
منصة بحرية مسيّرة مخصصة للمهام القتالية والاستطلاعية، إضافة إلى تنفيذ عمليات تتطلب دمج الطائرات المسيّرة ضمن العمليات البحرية.
MİR İDA
مركبة بحرية قادرة على العمل ضمن أسراب بحرية ذكية، وتنفيذ عمليات فوق وتحت سطح الماء بالتنسيق مع منصات مختلفة.
Albatros-S
مركبة بحرية منخفضة التكلفة، قادرة على العمل الجماعي ضمن أسراب، وتُستخدم في حماية السفن والمنصات الحيوية، وعمليات البحث والإنقاذ، والتعامل مع التهديدات عالية الخطورة.
مشروع تحديث غواصات “بريفيزا”
يهدف مشروع تحديث منتصف العمر لغواصات “بريفيزا” إلى تطوير أربع غواصات عاملة ضمن البحرية التركية عبر تزويدها بأنظمة تسليح واستشعار وملاحة واتصالات حديثة، يتم تطوير معظمها محليًا.
ويمثل المشروع خطوة مهمة في تعزيز الاستقلالية الدفاعية التركية، خاصة أن عمليات التحديث بهذا الحجم لا تنفذها سوى دول محدودة في العالم.
مشروع تحديث فرقاطات “بارباروس”
يستهدف مشروع تحديث فرقاطات “بارباروس” استبدال أنظمة القتال التقليدية في أربع فرقاطات بأنظمة وطنية حديثة تشمل الأسلحة وأجهزة الاستشعار وأنظمة القيادة والسيطرة.
ويُعد المشروع من أوائل مشاريع التحديث البحري الشامل التي تُنفذ محليًا بهذا المستوى التقني، ما يعكس التطور المتسارع للصناعات الدفاعية البحرية التركية.
تعكس مشاريع المركبات الدفاعية البحرية التركية تحولًا استراتيجيًا عميقًا في رؤية أنقرة للأمن البحري ودور القوة البحرية في السياسة الإقليمية والدولية. فتركيا لم تعد تركز فقط على امتلاك منصات قتالية متطورة، بل باتت تسعى إلى بناء منظومة بحرية متكاملة تعتمد على التكنولوجيا الوطنية والاستقلال الصناعي.
ومع التوسع في إنتاج السفن الحربية والغواصات والمركبات المسيّرة البحرية، تتجه تركيا تدريجيًا نحو ترسيخ مكانتها كإحدى القوى البحرية الصاعدة في المنطقة، مع طموحات واضحة لتعزيز حضورها العسكري والتكنولوجي في البحار والممرات الاستراتيجية خلال العقود المقبلة.
المصدر: كتاب «من الجذور إلى الآفاق.. قصة صعود الصناعات الدفاعية التركية» الصادر عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










