ترك برس

في مقابلة مع موقع الجزيرة نت، قدّم وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي توضيحات تفصيلية بشأن المعايير القانونية والأمنية التي تعتمدها أنقرة في منح الجنسية، مؤكدا أن الجنسية التركية “قرار سيادي” لا يُمنح تلقائيا حتى للمستثمرين. 

كما حسم الوزير الجدل المتعلق بالأطفال السوريين، موضحا الأساس القانوني الذي تستند إليه تركيا في منع حالات انعدام الجنسية، ومشددا على أن الدولة تتعامل مع هذا الملف وفق اعتبارات إنسانية وقانونية وأمنية متوازنة؛

سؤال: ما الأسباب الحقيقية وراء استمرار تجميد آلاف طلبات الجنسية الاستثنائية في تركيا لسنوات طويلة من دون حسمها بالقبول أو الرفض؟ وما مصير المستثمرين الأجانب الذين ضخّوا رؤوس أموال كبيرة اعتمادا على الوعود والمعايير الرسمية للحصول على الجنسية التركية، لكنهم لم يحصلوا عليها حتى الآن؟

الجواب: مسألة الجنسية تُعد من أكثر ملفات السيادة حساسية بالنسبة لكل دولة، كما أن إجراءات اكتساب جنسية الجمهورية التركية تُنفذ في إطار أحكام قانون الجنسية التركية رقم 5901، ويُبت في طلبات الجنسية الاستثنائية ضمن الإطار القانوني ذاته، وبناء على تقييمات مؤسساتنا المعنية.

ومن المهم التأكيد هنا على أن الجنسية الاستثنائية لا تعني مسارا يفضي تلقائيا إلى نتيجة بمجرد تقديم الطلب، بل هي عملية حساسة تُدار بإرادة الدولة، ويتم خلالها تقييم مسائل تتعلق بالنظام العام، والأمن القومي، والتحريات، والسجلات القضائية، وطبيعة الموارد المالية، والوضع العام لمقدم الطلب بالنسبة لبلادنا.

أما سبب إطالة أمد بعض الملفات، فيعود إلى هذا النوع من التدقيق متعدد الأبعاد، لأن المستندات الناقصة، والمعلومات المدلى بها والتي تحتاج إلى تحقق، وتبادل المعلومات بين المؤسسات، والتقييمات الأمنية، وفحص السجلات الدولية، كلها أمور قد تستغرق وقتا، ولا يمكن توقع أن تتصرف الدولة بتسرع في مسألة إستراتيجية مثل الجنسية، لأن المهم هنا ليس سرعة القرار فقط، بل أن يكون القرار صحيحا وآمنا ومتوافقا مع القانون.

وقد بدأ برنامج التقدم للحصول على الجنسية التركية عبر الاستثمار فعليا عام 2017، فيما بدأت أولى حالات منح الجنسية اعتبارا من عام 2018، وحتى اليوم، حصل 174 ألفا و567 شخصا على الجنسية التركية ضمن هذا الإطار، بينهم 51 ألفا و762 مستثمرا و122 ألفا و805 من أفراد عائلاتهم، وخلال هذه العملية، تم استقطاب استثمارات بقيمة 16 مليارا و74 مليون دولار إلى بلادنا.

ومن ناحية أخرى، رُفضت طلبات 943 شخصا ثبت عدم استيفائهم الشروط، ولا يزال هناك 4329 طلبا للحصول على الجنسية التركية كمستثمرين وما زالت إجراءاتهم مستمرة.

ونحن نتعامل باحترام، في إطار القانون مع كل من يثق بتركيا ويستثمر فيها ويسهم في الإنتاج والتوظيف وتنمية الاقتصاد، لكنّ استيفاء شرط الاستثمار لا يعني أن الجنسية ستُمنح تلقائيا، فإلى جانب المعايير الاقتصادية، تؤخذ أيضا في الاعتبار اعتبارات الأمن، والنظام العام، والحساسيات الإستراتيجية للدولة التركية.

وتتواصل الجهود لإنجاز هذه الملفات خلال مدة معقولة، وضمان إبلاغ أصحاب الطلبات بشكل صحيح، وتسريع التنسيق بين المؤسسات، لأن الملفات المناسبة يتم البت فيها، أما الملفات التي لا تستوفي الشروط، أو التي تحتوي على نقائص، أو تتطلب تقييما للمخاطر، فيُطبق بشأنها القانون.

وجنسية الجمهورية التركية شرف عظيم، وحساسيتنا الأساسية هي حماية هذا الشرف من خلال عملية موثوقة، وقابلة للرقابة، وعادلة، سواء بالنسبة لشعبنا أو لمقدمي الطلبات.

سؤال: أحزاب المعارضة تقول باستمرار إنها ستتمكن من إلغاء الجنسيات الاستثنائية الممنوحة للأجانب إذا وصلت إلى السلطة مستقبلا، فكيف ترد الحكومة قانونيا؟ وهل توجد بالفعل -كما تقول المعارضة- ثغرة غير قانونية في منح هذه الجنسيات؟ أم أن الوضع القانوني لمن حصلوا عليها آمن تماما؟

الجواب: ادعاءات أحزاب المعارضة بأن "جميع عمليات منح الجنسية الاستثنائية ستُلغى عند الوصول إلى السلطة" ليست حقيقة قانونية بقدر ما هي خطاب سياسي، فالجمهورية التركية دولة قانون، ولا يمكن إلغاء الجنسية المكتسبة لاحقا بقرارات تعسفية أو بشكل جماعي.

ووفقا للمبادئ العامة للقانون والدستور، فإن الإجراءات التي تُنشئها الإدارة بشكل متوافق مع القانون تُنتج "حقا مكتسبا"، ولذلك فإن إلغاء الجنسيات التي مُنحت قانونيا في الماضي بشكل جماعي لمجرد تغير السلطة، يُعد مخالفا لحظر الأثر الرجعي ولمبدأ الأمن القانوني.

ولا توجد أي "ثغرة غير قانونية" ممنهجة في النظام، فإجراءات الجنسية الاستثنائية تمر عبر التحقيقات الأمنية التي يجريها جهاز الاستخبارات الوطني والمديرية العامة للأمن، ثم تُستكمل بقرار من السلطة المختصة، وفي هذه العمليات التي تُنفذ وفق القانون، تكون القرارات الإدارية "فردية"، ولذلك فإن الرقابة القضائية أو الإدارية لا يمكن أن تتم إلا "على أساس كل شخص على حدة"، ولا يوجد قانونيا أي آلية للإلغاء الجماعي.

أما الذين اكتسبوا الجنسية التركية لاحقا، فلا يمكن إلغاء أو سحب جنسيتهم إلا في إطار المادة 31 من قانون الجنسية التركية رقم 5901، التي تنص على أن "قرار اكتساب الجنسية التركية يُلغى من قبل الجهة التي أصدرته إذا تبين أنه تم نتيجة تصريح كاذب أو إخفاء أمور جوهرية تشكل أساسا لاكتساب الجنسية"، وكذلك في إطار المادة 40 التي تنص على أن "القرارات المتعلقة باكتساب أو فقدان الجنسية التركية تُسحب إذا تبين لاحقا أنها صدرت دون تحقق الشروط القانونية أو صدرت بشكل مكرر".

أي أن المعايير في نظامنا القانوني واضحة، فالوضع القانوني للأشخاص الذين اكتسبوا الجنسية بشكل قانوني يتمتع بضمان قانوني، لكنْ إذا وُجدت حالات ملموسة مثل وثائق مزورة، أو تصريحات كاذبة، أو إخفاء معلومات جوهرية، أو عدم تحقق الشروط القانونية، فإن الدولة تتخذ الإجراءات اللازمة بشأن الملف المعني.

وجنسية الجمهورية التركية وضع قانوني بالغ القيمة، والأساس هو الحفاظ على هذا الوضع في إطار موثوق، وقابل للرقابة، ومتوافق مع القانون، سواء بالنسبة لشعبنا أو للأشخاص الذين اكتسبوا الجنسية لاحقا.

سؤال: يطالب العديد من الأجانب المقيمين منذ سنوات طويلة في تركيا بآلية واضحة، شبيهة بالأنظمة المعمول بها في الدول المتقدمة، تسمح لحاملي "الإقامة الدائمة" بالتقدم مباشرة للحصول على الجنسية التركية، فهل توجد أي أطر قانونية قيد الدراسة لمنح حاملي الإقامة الدائمة حق التجنس؟ أم أن السياسة الحالية تفصل بالكامل بين الإقامة الدائمة والجنسية؟

الجواب: نحن نتابع تطلعات الأجانب الذين يقيمون بشكل قانوني في تركيا منذ سنوات طويلة بهذا الخصوص، لكنْ من الناحية القانونية وضع الإقامة ووضع الجنسية مؤسستان منفصلتان بعضهما عن بعض، فالإقامة طويلة الأمد تمنح الشخص حق العيش الدائم في تركيا، والمشاركة في الحياة العملية، والاستفادة من بعض الإعفاءات، أما الجنسية فهي مسألة ترتبط مباشرة بمجال السيادة، وتتطلب تقييما أشمل.

ووفق الإطار القانوني الحالي، فإن امتلاك تصريح إقامة طويلة الأمد لا يشكل آلية تمنح الشخص حق التقدم تلقائيا أو مباشرة للحصول على الجنسية، إلا أن الأشخاص الذين يحملون هذا الوضع يمكنهم التقدم للحصول على الجنسية التركية إذا استوفوا الشروط العامة.

ومن بين هذه الشروط الإقامة القانونية المتواصلة في تركيا لمدة 5 سنوات، وإجادة اللغة التركية بمستوى كاف، وامتلاك دخل أو مهنة تكفل المعيشة، والتحلي بحسن السيرة، وعدم وجود ما يشكل خطرا من ناحية الصحة العامة أو النظام العام أو الأمن القومي، أي أن الإقامة القانونية طويلة الأمد تُعد عنصرا مهما يؤخذ في الاعتبار عند تقييم طلب الجنسية، لكنها لا تُعتبر وحدها خطوة كافية.

ويتم النظر في هذا الأمر بالكامل ضمن الإطار القانوني، حيث يتم النظر بشكل متكامل إلى الروابط التي أقامها الشخص مع تركيا، واندماجه الاجتماعي، وحياته، ووضعه القضائي والإداري، ومدى تأثيره على النظام العام والأمن القومي، وبعد دراسة جميع هذه الشروط، يُحسم طلب الجنسية عبر سلطة التقدير الإدارية.

وفي هذا الإطار، حصل 14 ألفا و54 شخصا على الجنسية التركية بين 1 يناير/كانون الثاني 2020 و22 مايو/أيار 2026، ويُظهر هذا الرقم أن حاملي الإقامة طويلة الأمد يمكنهم الاندماج في مسار الحصول على الجنسية إذا استوفوا الشروط القانونية.

والإقامة طويلة الأمد تشكل أرضية مهمة، لكنّ الجنسية تظل في جميع الأحوال وضعا أعلى تُطبَّق فيه الشروط القانونية، والتقييمات الأمنية، وحساسيات النظام العام، وسلطة التقدير الخاصة بالدولة. وتُواصل مؤسساتنا المعنية تقييماتها من أجل جعل العملية أكثر وضوحا وقابلية للتنبؤ وأكثر سلاسة بالنسبة لمقدمي الطلبات.

سؤال: تتداول بعض الأوساط الإعلامية والحقوقية أخبارا مفادها أن بعض الأطفال السوريين المولودين في تركيا بلا جنسية لأنهم لا يملكون قيودا لسبب أو لآخر، ألا تمنح القوانين التركية كل طفل لا يستطيع اكتساب جنسية أخرى حق الحصول المباشر على الجنسية إذا وُلد على الأراضي التركية؟

الجواب: موقف تركيا من القضية السورية يُعد من أقوى الأمثلة على الضمير الإنساني، فالحساسية التي أظهرها الرئيس رجب طيب أردوغان منذ اليوم الأول لا يمكن اعتبارها مجرد سياسة لإدارة الهجرة، بل هي موقف دولة وأمة كبيرتين تضعان الإنسان المظلوم في المركز، وتعيدان التذكير في عصرنا الحاضر بأخوة الأنصار والمهاجرين.

لقد فتحت تركيا أبوابها لإخواننا السوريين الذين عاشوا ويلات الحرب والدمار والاضطهاد والتهجير، ووفرت لملايين البشر مساحة آمنة للحياة، كما تحملت مسؤولية إنسانية يُحتذى بها عالميا، بدءا من التعليم والصحة وصولا إلى الإيواء والدعم الاجتماعي، ولذلك فإن على من يوجهون اتهامات ظالمة إلى تركيا في هذا الملف أن ينظروا أولا إلى ما فعلته بلدانهم خلال هذه المرحلة، وليس لأحد أن يلقن تركيا دروسا بعبارات سهلة، وهي التي تحملت هذا العبء الإنساني الكبير لسنوات.

كما أن الادعاءات التي تقول إن بعض الأطفال السوريين المولودين في تركيا بلا جنسية لا تتوافق مع الحقيقة القانونية، ففي القانون الدولي وفي تشريعات الجنسية الخاصة بسوريا، يُعتمد مبدأ النسب، وبناء على ذلك، فإن الطفل الذي يكون والده سوريا يكتسب الجنسية السورية منذ الولادة مهما كان مكان ولادته في العالم، ولذلك فإن الأطفال المولودين في تركيا لأبوين سوريين خاضعين للحماية المؤقتة لا يُعتبرون قانونيا بلا جنسية، بل يُعدون سوريين منذ لحظة ولادتهم.

أما الأساس الرئيسي في قانون الجنسية التركي فهو أيضا مبدأ النسب، أي أن الطفل يكتسب الجنسية التركية إذا كان أحد والديه على الأقل يحمل الجنسية التركية، ومع ذلك، فإن قانون الجنسية التركية منح مبدأ مكان الولادة دورا استثنائيا وحمائيا بما يتوافق مع الجهود العالمية لمنع انعدام الجنسية.

وتنص المادة 8 من قانون الجنسية التركية رقم 5901 بوضوح شديد على ما يلي: "يُعتبر مواطنا تركيا منذ الولادة كل طفل يولد في تركيا ولا يستطيع اكتساب جنسية أي دولة عند الولادة بسبب والديه الأجنبيين".

أي أن مجرد ولادة الطفل في تركيا لا يؤدي مباشرة إلى اكتسابه الجنسية التركية، بل يكتسبها إذا لم يكن قادرا على الحصول على أي جنسية عبر والديه، وإذا كان معرضا لخطر انعدام الجنسية، فإن القانون التركي يضعه تحت الحماية.

وفي هذا الإطار، بلغ عدد الأطفال الأجانب الذين اكتسبوا الجنسية التركية وفق مبدأ مكان الولادة منذ عام 2011 ما مجموعه 185 طفلا، وهذه البيانات توضح بشكل جلي كيفية عمل النظام، فتركيا تُفعّل من جهة الآلية الإنسانية والقانونية لمنع انعدام الجنسية، ومن جهة أخرى تحافظ بدقة على وضع الجنسية ضمن الإطار القانوني.

والانتقادات غير العادلة الموجهة إلى تركيا عبر ملف الأطفال السوريين تتجاهل الحقيقة القانونية وكذلك الجهد الإنساني الكبير الذي قدمته تركيا، ونحن ننظر إلى هذه القضية من منظور الكرامة الإنسانية والقانون وجدية الدولة، كما تواصل مؤسساتنا العمل بحساسية كبيرة فيما يتعلق بتسجيل الأطفال، وضمان وصولهم إلى خدمات التعليم والصحة، وحماية أوضاعهم القانونية. 

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!