مظفر شفق - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس

التهديد النفسي والاجتماعي للصداقة الافتراضية

قبل أيام، وأثناء حديث دار في مجلس مع بعض الأصدقاء، أدركت أننا نقف على أعتاب خطر اجتماعي خفي لم ينتبه إليه معظمنا. انظروا من حولكم؛ فالعالم التكنولوجي يتقدم نحونا بسرعة لوغاريتمية، كأنها شاحنة مندفعة إلى أسفل منحدر.

وبينما لم نتمكن بعد من معالجة الإدمان الخفي الذي أحدثته الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي لدى أطفالنا بصورة كاملة، ها هي الشركات العالمية العملاقة تطرق أبوابنا باتجاه جديد:

"الأصدقاء الافتراضيون المعتمدون على الذكاء الاصطناعي."

ماذا لو جاء يوم أصبح فيه أقرب صديق لطفلك ليس أنت، بل خوارزمية؟

صحيح أن هذه الظاهرة لم تتحول بعد إلى هوس جماهيري في تركيا، لكنها على الأبواب. ففي المستقبل القريب جدًا، سيستقبل الآباء والأمهات هذه التكنولوجيا بإعجاب بالغ!

وسيسوقها المسوقون بطريقة تجعل الجميع يقع في هذا الفخ. سيقولون: "انظروا، هذا الروبوت المعتمد على الذكاء الاصطناعي يروي لطفلك القصص، ويعلمه اللغة الإنجليزية، ويساعده في واجباته المدرسية، وفوق ذلك كله لا يتعب أبدًا!" بل وسيكون مجانيًا أيضًا.

وجماهيرنا الواسعة، التي اعتادت قبول كل شيء بسهولة، ولا تتعمق في طرح أسئلة من قبيل "لماذا؟" و"لأي سبب؟"، ستصفق لهذا الوهم.

وسيكون الآباء الذين يتركون كامل مسؤولية تربية الأطفال على عاتق الأمهات، بينما يجلسون في زاوية المنزل يقرؤون الصحف أو يشاهدون التلفاز، بوصفهم مجرد "متفرجين في الميدان"، من أكثر الناس سعادة بهذا الأمر.

وسيلجؤون إلى راحة القول: "الطفل يتطور بشكل رائع، أصبح أداؤه أفضل، ولم يعد يزعجني."

وقريبًا، قد يصبح ملايين الأطفال يبوحون بأسرارهم، لا لأمهاتهم اللواتي يُعدن الأقرب إليهم، بل لذكاء اصطناعي.

غير أنهم، مقابل ذلك الأداء الذي يظنون أنهم كسبوه بفضل الذكاء الاصطناعي، سيفقدون، من دون أن يشعروا، الروح الصافية والبريئة والفطرية لأبنائهم إلى الأبد.

أنا لست اختصاصيًا في التربية ولا طبيبًا. لكنني، بصفتي مديرًا وأبًا أمضى أكثر من ثلاثين عامًا في مطبخ الإعلام الجماهيري ووسائل الإعلام ودراسة السلوك الإنساني، أراقب الحياة.

وما أراه هو الآتي: إن الصداقة الحقيقية تتضمن الشجار والاحتكاك. فالطفل يتعلم الحياة بصورة تجريبية عندما يتخاصم مع صديقه في الحي أو في الحديقة، أو عندما يبكي لأن لعبته انتُزعت منه. إنه يتعلم "المشاركة"، و"الصبر"، و"التحكم بالغضب"، و"احترام حدود الآخرين" من خلال تلك المشاجرات الصغيرة المؤلمة. وهذا هو، في الأصل، جوهر العلاقات الإنسانية.

أما الصديق المعتمد على الذكاء الاصطناعي، فإنه لا يقول للطفل أبدًا: "لا". بل يوافق فورًا على كل رغبة أنانية أو نفعية لديه.

وهذا العالم الافتراضي، الذي يخضع لكل أوامر الطفل خلال أجزاء من الثانية، يحول العقل الغض تدريجيًا إلى روبوت شديد الأنانية، قليل التحمل، والأخطر من ذلك أنه لا يعود بحاجة حتى إلى والديه.

إننا نربي بأيدينا جيلاً نرجسيًا، يدخل في نوبات غضب عنيفة بمجرد أن يرفض صديقه في الحديقة إعطاءه لعبته، ولا يستطيع تحمل أدنى عثرة في العالم الحقيقي ولو لثانية واحدة.

فالطفل الذي يخشى الابتعاد عن صديقه الافتراضي ولو لثانية واحدة، سيصبح وحيدًا تمامًا في العالم السيبراني، ومعزولًا عن الحياة الجماعية.

وهناك أيضًا بُعد السيادة السيبرانية في هذه القضية، وهو أمر يبعث على القلق. فعندما يصبح أقرب من يصغي إلى الطفل، والجهة التي يشاركها مخاوفه وأحلامه، خادمًا إلكترونيًا (Server) في وادي السيليكون، فهذا يعني أن القيم الوطنية والأخلاقية لذلك الطفل تُصاغ منذ سنواته الأولى بواسطة خوارزميات أجنبية.

إن هذا ليس تطورًا تكنولوجيًا، بل هو استهتار يتمثل في تسليم الأجيال بأيدينا رهائن عبيدًا سيبرانيين للاحتكارات العالمية.

فماذا سنفعل إذن؟ هل سنعزل الطفل عن العالم تمامًا؟ بالطبع لا، لكن علينا أن نضع بعض القواعد العقلانية:

الاستخدام من أجل المعرفة فقط: ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي بالنسبة للطفل مجرد موسوعة خاضعة للرقابة، أو أداة للحصول على المعلومات. أما أوضاع "المحادثة" التي تنشئ روابط عاطفية مصطنعة مع الطفل، وتحاكي الإنسان، وتناديه باسمه، وتستمع إلى همومه، فيجب تعطيلها بالكامل.

نزول الآباء إلى الميدان: إن تربية الأطفال دين فطري مقدس لا يجوز التضحية به في سبيل راحة من نوع: "لا يزعجني، وليجلس بهدوء في زاوية." وعلى الآباء أن يتخلوا عن دور المتفرج السلبي، وأن يعيدوا بناء علاقة توجيهية مع أطفالهم تقوم على التفاعل الجسدي والاجتماعي والواقع.

ترسيخ الارتباط بالحياة الحقيقية: إذا كان الطفل يقضي وقتًا أمام الشاشة الرقمية، فينبغي أن يقضي ثلاثة أضعاف ذلك الوقت على الأقل مع أقرانه في الحدائق والشوارع والطين، بصورة فعلية. دعوهم يسقطون ثم ينهضون، ويتشاجرون ثم يتصالحون. فكل عقل لا يُرسخ اجتماعيًا في الواقع، محكوم عليه بأن يضيع في دهاليز العالم الافتراضي.

إن التكنولوجيا تتغير بسرعة كبيرة. فهل سندير نحن هذا التغيير، أم أن التغيير هو الذي سيديرنا ويدير أطفالنا؟

وأود أن تشاركوني آراءكم ووجهات نظركم المختلفة حول هذه القضية. ففي مقالي الأسبوع المقبل، سنتناول هذا النقاش معًا، وسأخصص مساحة أيضًا للآراء التي ستصلني من القراء.

وخلاصة القول، يمكن للتكنولوجيا أن تكون معلمًا لأطفالنا.

لكن لا ينبغي لأي تكنولوجيا أن تكون صديقًا لهم.

لأن الطفل لا يتعلم كيف يكون إنسانًا إلا من إنسان آخر.

وفي الأسبوع المقبل، سنناقش فلسفيًا هاتين الكلمتين المقدستين اللتين نسيناهما في جميع جوانب حياتنا، وهما: "لماذا؟ ولأي سبب؟"، وهما السؤالان اللذان ينبغي أن نطرحهما قبل كل خطوة.

لكن قبل ذلك، أقترح أن نفكر مليًا في قضية الأطفال هذه داخل بيوتنا.

المراجع:

اليونسكو – إرشادات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث (2023). (حول مخاطر الاستعمار المعرفي والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في مرحلة الطفولة المبكرة).

مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا – مشروع الذكاء الاصطناعي ونمو الطفل (2024). (تقرير تجريبي حول أثر الصداقات الافتراضية في قدرة الأطفال على التعاطف وتشوه المهارات الاجتماعية).

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – الرفاه الرقمي للأطفال وإطار المهارات الاجتماعية والعاطفية (2025). (قاعدة بيانات حول الأجيال المتشابهة نفسيًا، وعلم نفس الأطفال الواقعين تحت الأسر السيبراني).

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!