
ترك برس
في قلب سهل تشوكوروفا جنوب تركيا، تقف مدينة أنفارزا الأثرية شاهدة على تعاقب إمبراطوريات وحضارات تركت بصماتها في الأناضول على مدى قرون طويلة. وبين أطلال شوارعها وأقواس النصر والمسارح والحمامات والمعابد والتحصينات، تتجسد قصة مدينة كانت يومًا مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا وسياسيًا مهمًا، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى أحد أبرز المواقع الأثرية في ولاية أضنة.
وتقع مدينة أنفارزا القديمة ضمن حدود قرية ديليك كايا التابعة لقضاء كوزان، على بعد نحو 70 كيلومترًا شمال شرقي مركز ولاية أضنة، ونحو 28 كيلومترًا جنوب قضاء كوزان. وتمتد المدينة على مساحة تقارب 4 آلاف دونم، وتعد اليوم من أبرز المواقع الأثرية التي تكشف عن تعاقب الحضارات في منطقة قيليقية التاريخية.
مدينة "لا تُقهر"
تشير الدراسات الكتابية والنقوش الأثرية إلى أن اسم أنفارزا مشتق من الكلمة الفارسية "NEZARBA"، التي تعني "التي لا تُقهر"، في دلالة تعكس المكانة التي اكتسبتها المدينة عبر تاريخها الطويل.
وفي عام 19 قبل الميلاد، أعاد الإمبراطور الروماني أوغسطس تخطيط المدينة خلال زيارته لها، وأطلق عليها اسم "كيساريا" تكريمًا له. وكانت أنفارزا في تلك المرحلة قد أصبحت مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا وسياسيًا مهمًا لمملكة تاركونديموتوس، قبل أن تزداد أهميتها في العهد الروماني وتتحول إلى واحدة من أبرز مدن المنطقة.
وفي عهد الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس، حظيت أنفارزا بمكانة خاصة؛ إذ كُرّمت عامي 198 و203 ميلادية بلقب "نيوكوروس"، ثم مُنحت عام 204 لقب "متروبوليس"، بما يعكس تنامي نفوذها ومكانتها داخل الإقليم.
وكان موقع المدينة في منطقة قيليقية السهلية، المعروفة باسم "كيليكيا بيدياش"، ذا أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الرومان، ولا سيما خلال حروبهم ضد الفرثيين. فقد اعتُبرت أنفارزا موقعًا مثاليًا للتمركز، كما اضطلعت بدور مهم في تقديم الدعم اللوجستي للجيش الروماني.
ومع بدء انعقاد مجلس الإقليم في أنفارزا عام 204 ميلادية، تعززت مكانتها بوصفها المدينة الرائدة في المنطقة، وشهدت تلك المرحلة تشييد عدد كبير من المنشآت والمعالم الأثرية التي لا تزال بقاياها شاهدة على ازدهار المدينة.
شوارع ضخمة وأقواس نصر ومسارح
تضم أنفارزا عددًا كبيرًا من المنشآت المعمارية التي تعكس عظمتها خلال العصر الروماني، من بينها قوس نصر مذهل مؤلف من ثلاثة أقواس، وشوارع ذات أعمدة، ومسرح، ومدرج، وملعب "سيركوس مكسيموس"، ومعابد ومبنى للمجلس ومقابر وحمامات.
ويعد القوس المعروف باسم "آلا كابي" واحدًا من أبرز معالم المدينة، وهو قوس نصر مؤلف من ثلاثة أقواس يفتح على شارع "ديكومانوس مكسيموس"، وهو الشارع الرئيسي الممتد في الاتجاه من الشمال إلى الجنوب.
أما الشارع الرئيسي نفسه، فيكشف عن حجم التطور العمراني الذي بلغته أنفارزا؛ إذ يبلغ عرضه نحو 34 مترًا وطوله قرابة 2700 متر، ويتميز بتخطيط مزدوج تحيط به الأعمدة، ما يجعله، وفق المعطيات الأثرية، واحدًا من أكبر الشوارع المعروفة في العالم القديم.
وتحتفظ أنفارزا كذلك بأحد أكثر المسارح الأثرية سلامة من بين المسارح الثلاثة التي بقيت حتى اليوم في جميع أنحاء الأناضول، ما يمنح الموقع أهمية خاصة بالنسبة إلى دراسة العمارة والحياة الاجتماعية والثقافية في العصور القديمة.
ومن أبرز المنشآت الأخرى في المدينة قنوات المياه التي شُيدت في عهد الإمبراطور دوميتيانوس عام 92 ميلادية، والتي يبلغ طولها نحو 25 كيلومترًا. وتُعد هذه القنوات من بين أطول وأبرز منشآت نقل المياه القديمة وأكثرها إثارة للإعجاب في العالم.
الزلازل والغزوات وتبدل الحضارات
لم تكن أنفارزا بمنأى عن الكوارث والتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة. ففي عام 408 ميلادية، وخلال عهد الإمبراطور ثيودوسيوس، أُعلنت المدينة عاصمة لإقليم "كيليكيا سيكوندا"، لتدخل مرحلة جديدة من الأهمية السياسية والإدارية.
لكن المدينة تعرضت لاحقًا لزلزالين كبيرين عامي 525 و561 ميلادية، ما أدى إلى دمار واسع فيها. وأعيد بناؤها خلال عهدي جستنيان وجستنيان الأول، لتستعيد جزءًا من مكانتها السابقة.
وخلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، تعرضت أنفارزا لاحتلال العرب، ثم تعاقبت السيطرة عليها بين العرب والبيزنطيين مرات عدة في القرون اللاحقة، في ظل التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها منطقة الأناضول وقيليقية.
وكانت الطبيعة الجغرافية للمدينة عاملًا مهمًا في تحصينها؛ إذ تحيط بها قلعة شاهقة ووعرة، إضافة إلى نظام دفاعي ضخم يمتد لنحو 1500 متر، ويضم نحو 20 برجًا موزعة بمعدل برج كل 70 مترًا تقريبًا، وكانت أسوارها المهيبة مرئية من مختلف أنحاء السهل المحيط بها.
وفي القرن الحادي عشر، انتقلت المدينة إلى مرحلة جديدة من تاريخها، عندما احتلها توروس الأول، الذي كان قد فر من ألب أرسلان، وجعل منها عاصمة لمملكة أرمينيا.
وبعد سيطرة المماليك عليها عام 1375، بدأت أنفارزا تفقد أهميتها على مسرح الأحداث التاريخية تدريجيًا، قبل أن تُترك في نهاية المطاف، وسط تأثير عوامل طبيعية وصحية، من بينها انتشار الأوبئة.
موطن عالم الطب ديسقوريدس
ولا تقتصر أهمية أنفارزا على تاريخها السياسي والعسكري والعمراني، بل ترتبط أيضًا بتاريخ العلوم والطب والصيدلة في العالم القديم.
فقد كانت المدينة مركزًا لعبادة الإله الجبلي زيوس أوليبريس أو أوليبريوس، كما تُعرف بأنها مسقط رأس ديسقوريدس، عالم العقاقير والطبيب الشهير الذي عاش في عهد الإمبراطور الروماني نيرون وخدم في الجيش الروماني، واشتهر في الثقافة الشعبية باسم "لقمان الحكيم".
ويُعد ديسقوريدس، بفضل مؤلفه العلمي المؤلف من خمسة مجلدات والمعروف باسم "De Materia Medica"، أحد أبرز الأسماء في تاريخ علم العقاقير، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره من آباء علم الصيدلة.
كما ارتبط اسم أنفارزا بالشاعر الشهير أوبّيانوس، الذي وُلد وعاش في المدينة، فيما تشير المصادر القديمة إلى وجود عدد كبير من ورش صناعة النسيج الكتاني فيها، وهو ما يعكس النشاط الاقتصادي والحرفي الذي شهدته المدينة في فترات ازدهارها.
سجل حي لتنوع حضارات الأناضول
تكمن القيمة الاستثنائية لأنفارزا في أنها لا تمثل حضارة واحدة، بل تختزن طبقات متراكمة من تاريخ الأناضول. فقد تركت الحضارات الهلنستية والرومانية والبيزنطية والعربية والأرمنية والعثمانية وغيرها آثارها في المدينة، لتشكل عبر القرون فسيفساء ثقافية وحضارية غنية.
وقد استضافت المدينة حضارات وثقافات مختلفة، وتفاعلت معها، وهو ما يظهر بوضوح في آثارها المعمارية وتخطيطها الحضري ونقوشها ومنشآتها الدفاعية والدينية والمدنية.
وفي 15 أبريل/نيسان 2014، تُوّج هذا الإرث التاريخي والثقافي بإدراج مدينة أنفارزا القديمة على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، لتصبح بذلك جزءًا من المواقع التي تحظى باهتمام دولي لما تمثله من قيمة ثقافية وتاريخية.
حفريات مستمرة منذ 2012
وتتواصل الجهود العلمية للكشف عن مزيد من أسرار المدينة، حيث بدأت أعمال التنقيب الأثري في أنفارزا عام 2012، بإذن من وزارة الثقافة والسياحة التركية، ممثلة بالمديرية العامة للآثار والمتاحف، وتحت رئاسة متحف أضنة للآثار، وبإشراف علمي من جامعة تشوكوروفا.
وتسهم أعمال التنقيب والترميم في الكشف تدريجيًا عن تفاصيل الحياة التي كانت تدور في هذه المدينة القديمة، كما تساعد في توثيق منشآتها والحفاظ على ما تبقى منها للأجيال القادمة.
ولا تزال أنفارزا، بما تحمله من آثار تعود إلى مراحل تاريخية متعددة، تقدم للزائر مشهدًا فريدًا يربط بين الماضي والحاضر. فبينما تتوزع أطلال الشوارع الضخمة والأقواس والمسارح والتحصينات في سهل تشوكوروفا، تستمر الحفريات في إعادة رسم صورة مدينة كانت في أوج ازدهارها واحدة من أهم مراكز قيليقية، قبل أن تطوي صفحاتها وتتحول إلى شاهد صامت على تاريخ طويل من الحضارات المتعاقبة في الأناضول.
وبفضل هذا التنوع التاريخي والمعماري، تمثل أنفارزا اليوم أحد المواقع التي تختصر جانبًا مهمًا من تاريخ جنوب تركيا، وتمنح زوارها فرصة للتجول في فضاء يجمع بين آثار العالم الهلنستي والإمبراطورية الرومانية والعهد البيزنطي والحضور العربي والأرمني، وصولًا إلى المراحل اللاحقة من تاريخ المنطقة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











