ترك برس

بعد أكثر من ثلاثة عقود على نزعها من قبة الصخرة في القدس خلال واحدة من أبرز عمليات ترميمها الحديثة، أعاد خبير فلسطيني في الطلاء الكهروكيميائي تسليط الضوء على أجزاء من الكسوة المعدنية القديمة للقبة، بعدما حوّلها إلى قطع فنية وتذكارية يقول إنها تحمل قيمة تاريخية ودينية تتجاوز طبيعتها المادية.

ويروي الدكتور الفلسطيني أسامة عودة أن الألواح المصنوعة من الألومنيوم كانت جزءاً من الكسوة الخارجية لقبة الصخرة، قبل إزالتها في إطار مشروع الترميم الشامل الذي شهدته القبة في مطلع تسعينيات القرن الماضي. وفي حديث لوكالة الأناضول، قال عودة إنه بدأ التفكير في اقتناء الكسوة القديمة منذ أن علم بخطة إزالتها، معتبراً أن الاحتفاظ بها يمكن أن يحولها إلى «رسالة» مرتبطة بتاريخ قبة الصخرة والمسجد الأقصى.

وبحسب روايته، طرحت لجنة الترميم الألواح القديمة للبيع بعدما أصبحت مواد فائضة عن المشروع، فتقدم لشرائها وفاز بالعطاء، قبل أن يوقّع اتفاقاً مع اللجنة في 29 يونيو/حزيران 1995. ويقول عودة إن الألواح نُقلت بعد ذلك إلى مقر تابع له في رام الله، حيث بدأ العمل على تحويل أجزاء منها إلى مقتنيات وأعمال تذكارية.

ويؤكد عودة أن فكرته لم تكن التعامل مع الألواح باعتبارها خردة معدنية، بل الحفاظ على جزء مادي كان لسنوات جزءاً من أحد أشهر معالم القدس. ويقول إنه استلهم جزئياً تجربة الاحتفاظ بأجزاء من جدار برلين وتحويلها إلى مقتنيات تاريخية، ورأى أن ألواح قبة الصخرة يمكن، من وجهة نظره، أن تؤدي وظيفة مشابهة في إبقاء الارتباط بالمكان حاضراً لدى من يقتنونها.

من الألومنيوم إلى القبة المذهّبة

وتعود قصة هذه القطع إلى ترميم سابق لقبة الصخرة في ستينيات القرن العشرين، عندما استُخدمت ألواح من الألومنيوم المؤكسد ذي اللون الذهبي في تغطية القبة بدلاً من الكسوة الأقدم. ومع مرور السنوات ظهرت مشكلات في العزل ومقاومة العوامل الجوية، ما دفع إلى استبدالها ضمن مشروع ترميم جديد بدأ مطلع التسعينيات. وتشير تقارير اليونسكو إلى أن الكسوة السابقة كانت تتكون من ألواح كبيرة من الألومنيوم المؤكسد، وأنها استُبدلت خلال الترميم بصفائح معدنية مكسوة بطبقة خارجية من الذهب.

وشكّل مشروع الأعمار الذي جرى بين عامي 1990 و1994 محطة بارزة في تاريخ القبة الحديث. ووفق الديوان الملكي الهاشمي، موّل العاهل الأردني الراحل الملك الحسين بن طلال جانباً رئيسياً من المشروع من أمواله الخاصة، وشملت الأعمال إعادة تكسية القبة بصفائح من النحاس والنيكل مطلية بالذهب عيار 24 قيراطاً، إلى جانب ترميم الهيكل ودعائم السقف وأعمال للحماية من الحرائق.

وتظهر صور توثيقية لأعمال الترميم القبة محاطة بالسقالات خلال استبدال الكسوة القديمة، في عملية انتهت بإعطائها المظهر الذهبي المعروف اليوم.

قطعة مادية في قلب صراع على الذاكرة والهوية

بالنسبة إلى عودة، لا تقتصر قيمة الألواح على تاريخها المعماري. فهو يقدمها أيضاً باعتبارها وسيلة للتأكيد على الارتباط الإسلامي والعربي بالقدس والمسجد الأقصى، ويقول إن تحويلها إلى أعمال فنية وتذكارية يهدف إلى إيصال هذه الرسالة إلى أماكن مختلفة من العالم. وتندرج هذه الرؤية ضمن موقفه الشخصي في الجدل الديني والسياسي الأوسع بشأن الحرم القدسي.

ويكتسب هذا البعد حساسيته من المكانة الاستثنائية للموقع لدى أتباع أكثر من ديانة. فقبة الصخرة، التي شُيدت في القرن السابع الميلادي، تقع داخل الحرم الشريف/مجمع المسجد الأقصى في البلدة القديمة بالقدس، وهي من أبرز نماذج العمارة الإسلامية المبكرة. وفي الوقت نفسه، يحظى الموقع الذي تقع فيه بمكانة دينية مركزية لدى اليهود، الذين يستخدمون له تسمية «جبل الهيكل»، كما يتمتع بأهمية في التراث المسيحي. وتصف اليونسكو القدس بأنها مدينة ذات أهمية رمزية كبرى لليهودية والمسيحية والإسلام، وتعد قبة الصخرة من أبرز معالمها التاريخية.

وفي ظل هذا التداخل بين الدين والتاريخ والسياسة، يرى عودة أن الألواح القديمة تكتسب معنى يتجاوز قيمتها المادية، إذ يصفها بأنها «جزء من تاريخنا وهويتنا»، معتبراً أن انتقال أجزاء صغيرة منها بين الأجيال يمكن أن يحافظ على صلة ملموسة بأحد أبرز معالم القدس.

وبذلك تحولت كسوة أزيلت قبل أكثر من ثلاثين عاماً لأسباب فنية ومعمارية، من مواد كان يمكن التخلص منها بعد انتهاء الترميم، إلى مقتنيات تحمل بالنسبة إلى أصحاب المشروع ذاكرة دينية وتاريخية ورسالة مرتبطة بالصراع المستمر على رمزية القدس وهويتها.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!