
ترك برس
يرى الكاتب ووزير النقل والبنية التحتية التركي السابق عادل قره إسماعيل أوغلو أن استضافة تركيا مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ "COP31"، في مدينة أنطاليا خلال نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، تمثل فرصة استراتيجية تتجاوز البعد البيئي، لتضع البلاد في قلب النقاشات المتعلقة بمستقبل الاقتصاد العالمي والتجارة والطاقة والتنمية.
ويؤكد الكاتب، في مقال نشرته صحيفة "ستار"، أن النظر إلى تغير المناخ باعتباره مجرد قضية بيئية أو ملف يقتصر على العلماء والمنظمات الدولية، بات تصورا بعيدا عن الواقع، في ظل تزايد الظواهر الجوية المتطرفة والضغوط على مصادر المياه والاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية.
وبحسب قره إسماعيل أوغلو، فإن قضية المناخ باتت اليوم تمس مختلف القطاعات، من الزراعة والطاقة إلى الصناعة والتمويل، وأصبحت ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي والاستقلال الاقتصادي للدول، بعدما تحولت السياسات البيئية إلى أحد العوامل المؤثرة في التوازنات التجارية والإنتاجية على المستوى الدولي.
وفي هذا السياق، يكتسب مؤتمر COP31 أهمية خاصة باعتباره أعلى اجتماع لاتخاذ القرار في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، حيث من المقرر أن تستضيفه تركيا في أنطاليا بين 9 و20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026.
ويرى الكاتب أن هذه الاستضافة تمثل محطة مفصلية لتركيا، التي انضمت إلى الاتفاقية عام 2004، إذ ستستضيف للمرة الأولى إحدى قمم مؤتمر الأطراف، التي تجمع رؤساء دول ووزراء وممثلي المؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.
ومن المتوقع أن تناقش القمة قضايا رئيسية تشمل تحديث أهداف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وتحديد سبل الوصول إلى التمويل المناخي، وتنظيم أسواق الكربون، وهي ملفات يرى الكاتب أنها تعزز أهمية المؤتمر بالنسبة لموقع تركيا ودورها على الساحة الدولية.
المناخ.. عامل جديد في المنافسة الاقتصادية
ويشير قره إسماعيل أوغلو إلى أن قضايا المناخ لم تعد منفصلة عن الحسابات الاقتصادية، إذ أصبحت تؤثر بشكل مباشر في موازين التجارة الخارجية، وتكاليف الإنتاج الصناعي، والرسوم الجمركية وشروط الحصول على التمويل.
ومن هذا المنطلق، يرى أن قمة أنطاليا ينبغي النظر إليها من زاوية الالتزامات والفرص التي يمكن أن تفرضها على الصناعة والتجارة التركية، ولا سيما أن التحول الأخضر والصناعة والمدن القادرة على مواجهة التغيرات المناخية ستكون من بين الملفات البارزة على جدول أعمال المؤتمر.
ويلفت الكاتب إلى أن نظام التجارة العالمي دخل مرحلة جديدة، خصوصا مع تطبيق الاتحاد الأوروبي، الذي يعد أكبر أسواق الصادرات التركية، آليات جديدة لتنظيم الانبعاثات الكربونية على الحدود.
وبحسب رؤيته، فإن المعايير البيئية تتحول تدريجيا إلى حواجز تجارية جديدة، قد تؤثر في قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق، إذا لم يتمكنوا من خفض بصمتهم الكربونية، ودمج مصادر الطاقة المتجددة في عمليات الإنتاج، وتوثيق مستويات الانبعاثات.
التمويل والعدالة في التحول الأخضر
ويبرز الكاتب أن الملفات المطروحة في COP31 تقدم مؤشرات مهمة بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها قضية التوزيع العادل للتمويل المناخي، ووصول الدول النامية إلى الموارد اللازمة لتنفيذ التحول الأخضر.
كما ستشمل المناقشات، بحسب الكاتب، آليات "التحول العادل" التي تراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية خلال الانتقال التدريجي بعيدا عن الوقود الأحفوري.
وفي هذا الإطار، يرى قره إسماعيل أوغلو أن تركيا يمكن أن تضطلع بدور توفيقي مهم بصفتها الدولة المضيفة، في ظل الحاجة إلى تقريب وجهات النظر بين الدول المتقدمة والدول النامية بشأن مسؤوليات مواجهة التغير المناخي وتكاليف التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.
النقل والبنية التحتية في قلب المواجهة
ويؤكد الكاتب أن قطاع النقل يشكل أحد المجالات الأساسية في مكافحة تغير المناخ، مشيرا إلى أهمية تطوير شبكات السكك الحديدية، وتوسيع استخدام وسائل النقل العام، وزيادة أعداد المركبات الكهربائية وتطوير بنيتها التحتية.
كما يضع تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتطوير الممرات اللوجستية ورفع كفاءتها ضمن الأولويات التي ينبغي التركيز عليها خلال المرحلة المقبلة، باعتبارها عناصر تجمع بين خفض الانبعاثات وتعزيز القدرة الاقتصادية والتنافسية.
من الالتزام بالقواعد إلى المساهمة في صياغتها
ويخلص قره إسماعيل أوغلو إلى أن مكافحة أزمة المناخ لم تعد مجرد تعبير عن حساسية بيئية، بل أصبحت قضية ترتبط بالأمن القومي واستقلال الطاقة والقدرة على المنافسة الاقتصادية.
ويرى أن آلاف المندوبين والعلماء وممثلي المجتمع المدني الذين سيجتمعون في أنطاليا سيقيّمون مدى تحول التعهدات المناخية إلى خطوات عملية، ومدى التزام الدول بتنفيذ مساهماتها الوطنية في مواجهة التغير المناخي.
وبالنسبة لتركيا، يمثل مؤتمر COP31، وفق رؤية الكاتب، أرضية استراتيجية للانتقال من موقع الدولة التي تلتزم بالقواعد الدولية إلى موقع أكثر فاعلية في صياغة تلك القواعد والتأثير في اتجاهاتها.
ويعتبر أن قمة أنطاليا ستكون كذلك فرصة لإبراز رؤية تركيا في القرن الجديد في مجالات الدبلوماسية والاقتصاد والتنمية، ولتعزيز حضورها في تشكيل ملامح النظام المناخي والاقتصادي العالمي خلال المرحلة المقبلة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











