محمد أرسين طوي - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس

منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، انتهجت إسرائيل سياسة اتصالية واستراتيجية إعلامية واسعة النطاق، امتدت من وسائل الإعلام التقليدية إلى المنصات الرقمية، ومن شبكات التواصل الاجتماعي إلى الحملات الموجّهة وصنّاع التأثير، بهدف إضفاء الشرعية على الإبادة الجماعية والفظائع التي ترتكبها في غزة، وضمان استدامتها، وإدارة كلفة فقدان الشرعية الدولية، فضلاً عن حماية العلامة الإسرائيلية وصورة الدولة.

واليوم، تفتح هذه السياسة جبهة جديدة وأكثر خطورة: الذكاء الاصطناعي.

تسعى إسرائيل إلى تحويل الذكاء الاصطناعي نفسه إلى إحدى جبهات الإبادة، عبر التأثير في مصادر المعلومات التي تصل إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي الإجابات التي تنتجها، وفي الإطار السردي الذي تُبنى ضمنه هذه الإجابات. والغاية هي التأثير في الكيفية التي تُصاغ بها الحقيقة والواقع، والعمل على بناء الرواية الإسرائيلية باعتبارها حقيقة جديدة.

وبذلك، لم تعد الحرب محصورة في الإعلام والاتصال، بل أصبحت المعلومة والحقيقة ذاتهما ساحة جديدة للصراع.

كان من أبرز مسارات تشكيل الإدراك التي اعتمدتها إسرائيل خلال الإبادة تصوير ما يجري في غزة وكأنه عملية بدأت حصراً بعد 7 أكتوبر 2023. وبعبارة أخرى، جرى التعامل مع 7 أكتوبر باعتباره «نقطة الصفر» التاريخية، بما يسمح ببناء سردية تظهر الإبادة في غزة باعتبارها أمراً مشروعاً وطبيعياً وحتمياً.

وفي مقابل إبراز ما جرى بعد ذلك التاريخ بصورة متواصلة، جرى دفع السياق التاريخي للقضية الفلسطينية، الذي يسبق 7 أكتوبر بعقود طويلة، إلى خارج الرواية.

لكن ما يحدث اليوم لم ينشأ في فراغ تاريخي. فقد أُبعد عن المشهد احتلال الأراضي الفلسطينية واستعمارها الممتد لنحو قرن، وعنف المستوطنين، وتهجير الفلسطينيين ونقلهم قسراً من أراضيهم، والحصار المفروض على قطاع غزة، والعنف المنهجي المتواصل على مدى عقود.

وهكذا، لم يعد 7 أكتوبر مجرد تاريخ، بل تحوّل إلى إطار سردي يُخفي الماضي، ويعيد تشكيل الذاكرة، ويُستخدم لتبرير الحاضر.

أما المسار الدعائي الثاني، فتمثّل في إنتاج صورة للعدو تنزع عن الفلسطيني إنسانيته. وجرى تداول خطابات تربط الفلسطينيين بالبربرية والإرهاب والوحشية، وتضعهم ضمن تصنيفات تنزع عنهم الصفة الإنسانية، من قبيل وصفهم بـ«الحيوانات البشرية».

ومنذ الأيام الأولى للحرب، انتشرت على نطاق واسع في الرأي العام الدولي روايات غير مثبتة أو أصبحت لاحقاً موضع تشكيك جدي، من بينها الحديث عن قطع رؤوس 40 رضيعاً، وشق بطون نساء حوامل، وتنفيذ عمليات اغتصاب منهجية بحق النساء. وحتى في حالات الهجمات والانفجارات التي شهدتها مستشفيات غزة، جرى سريعاً نقل روايات إلى الرأي العام الدولي تلقي المسؤولية على الفصائل الفلسطينية.

ولم تكن الآلية المستخدمة هنا تقوم فقط على اتهام الطرف الآخر، بل على تجريد الفلسطيني من إنسانيته أولاً، ثم إظهار العنف الموجّه ضده باعتباره مشروعاً.

فكلما جرى نزع الصفة الإنسانية عن جماعة ما، انخفضت، في الحسابات الدعائية، الكلفة الأخلاقية والسياسية للعنف الممارس ضدها. ولهذا جرى ربط الفلسطيني بالبربرية والإرهاب والعداء للحضارة، ثم تقديم الحرب ضده لا باعتبارها حرباً من أجل أمن إسرائيل وحده، وإنما في إطار مفاهيم أوسع مثل الدفاع عن الغرب والحضارة والإنسانية ومواجهة البربرية.

وتعمل هذه الآلة الدعائية ضمن بناء سردي من ثلاث مراحل.

في المرحلة الأولى، يُجرَّد الفلسطيني من صفته الإنسانية.

وفي الثانية، تُماهى الهوية الفلسطينية مع حركة حماس، فيما تُختزل حماس بالكامل في مفهوم الإرهاب، بما يؤدي إلى طمس الفارق بين المجتمع المدني في غزة والتنظيم المسلح.

أما في المرحلة الثالثة، فيُعاد ترتيب موقعي الضحية والفاعل؛ إذ يُعاد تقديم إسرائيل لا بوصفها مرتكبة للإبادة، بل باعتبارها ضحية مهددة بالإبادة وطرفاً يدافع عن نفسه، فيما تُنقل نية الإبادة واتهاماتها إلى الفلسطينيين أو إلى حركة حماس.

وهكذا لا يقتصر التدخل على صياغة الخبر، بل يمتد إلى المفاهيم والذاكرة نفسها.

فمن هو الفلسطيني؟ وكيف تُعرّف حماس؟ ولمن تُسند صفات «الإرهابي» و«الضحية» و«الفاعل»؟ وكيف تُروى مسألة من يرتكب الإبادة؟ ومن أي نقطة زمنية تبدأ قصة الحدث؟

كل هذه العناصر يعاد بناؤها في آن واحد. وعندما تتغير الإجابات عن هذه الأسئلة، لا تتغير رواية الحدث وحدها، بل يتغير معنى الحدث نفسه.

بهذه الطريقة، تعيد الدعاية أولاً تأطير التاريخ والذاكرة، ثم تجعل إنسانية الفلسطيني موضع تشكيك، وبعد ذلك تحصره داخل مفهوم الإرهاب، قبل أن تحاول في المرحلة الأخيرة قلب موقعي الضحية والفاعل.

وهنا تحديداً تتحول حرب السرديات إلى حرب على الحقيقة.

واليوم، لا تجري إعادة إنتاج هذا المسار الدعائي في عناوين الصحف وشاشات التلفزة وتدفّقات شبكات التواصل الاجتماعي فحسب، بل يُراد له أيضاً أن ينتقل إلى الإطار الذي تصوغ ضمنه أنظمة الذكاء الاصطناعي إجاباتها للمستخدمين.

ذلك أن نقطة البداية التاريخية التي يعتمدها الذكاء الاصطناعي عند شرح حدث ما، والمفاهيم التي يستخدمها في تعريف الفلسطيني وحماس، والمصادر التي يعتبرها موثوقة، والطريقة التي يحدد بها موقع الفاعل والضحية، كلها عوامل ترسم بصورة مباشرة معنى الإجابة التي ينتجها.

ومن هنا تنبع الأهمية الأساسية للجبهة الإسرائيلية في مجال الذكاء الاصطناعي. فالرواية التي سعت إسرائيل سابقاً إلى بنائها عبر الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، تسعى اليوم إلى إدخالها في صلب الإجابات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وبحسب دراسة نشرها في يوليو/تموز 2026 الباحث في معهد كوينسي نيك كليفلاند-ستاوت، واستندت إلى بيانات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة، وسجلات المشتريات الحكومية الإسرائيلية، ومقابلات، تجاوز إجمالي الإنفاق المباشر للحكومة الإسرائيلية على أنشطة الدبلوماسية العامة والاتصال الدولي منذ 7 أكتوبر حاجز المليار دولار.

وتُعد الإعلانات، وحملات التواصل الاجتماعي، وصنّاع التأثير، وبرامج استهداف الصحفيين وقادة الرأي، إلى جانب الأنشطة الرامية إلى التأثير في الذكاء الاصطناعي، أجزاء من منظومة اتصالية واسعة واحدة.

وقد تحولت هذه المنظومة، التي يُشار إليها في الأدبيات السياسية والاتصالية الإسرائيلية بمصطلح «هاسبارا» (Hasbara)، إلى آلية شاملة لإدارة سردية الحرب، وإنتاج الشرعية للأفعال الإسرائيلية، والحد من حجم ردود الفعل الدولية.

واليوم، تنقل إسرائيل هذا الجهاز الدعائي إلى أنظمة المحادثة والواجهات القائمة على الذكاء الاصطناعي.

من البحث إلى الإجابة

مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، كان جوهر الصراع يتمثل في تحديد المحتوى الذي سيظهر أمام المستخدم. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فإن الصراع يتراجع خطوة إضافية باتجاه مصدر المعلومة نفسه.

لم يعد هدف ممارس الدعاية مجرد التأثير في الرسالة التي ستصل إلى الإنسان، بل أصبح يسعى كذلك إلى التأثير في نوعية المصادر التي ستواجهها منظومة الذكاء الاصطناعي قبل أن تنتج إجابتها.

في البنية التقليدية للإنترنت، كان الصحفي ينتج الخبر، والمؤسسة الإعلامية تنشره، ومحرك البحث يعثر على المصدر، ثم ينتقل المستخدم إلى ذلك المصدر.

أما في النظام الجديد، فلا يكتفي الذكاء الاصطناعي بالعثور على المصدر، بل يقرأ المصادر، وينتقي المعلومات منها، ويبرز بعض العناصر، ويستبعد أخرى، ثم يجمع مقاطع ومعلومات مأخوذة من نصوص مختلفة ليصوغ منها إجابة جديدة.

وبذلك تنشأ إمكانية تفكيك الخبر الأصلي وإعادة بناء «خبر» جديد، بقوة تحريرية خوارزمية.

ولا يعني هذا التفكيك أن كل إجابة تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي خاطئة، وإنما يشير إلى تفكيك وحدة النص المصدر، وإبراز عناصر منه واستبعاد أخرى، ثم إعادة تركيب معلومات مأخوذة من مصادر مختلفة داخل سياق جديد.

وهنا تحديداً تنقل إسرائيل محاولتها لتبرير الإبادة في غزة واستدامتها إلى جبهة الذكاء الاصطناعي، وتسعى إلى خوض معركة الوعي من خلال التأثير في المصادر التي يواجهها الذكاء الاصطناعي وفي الإطار الذي يبني ضمنه إجاباته.

المرحلة الأولى: إنتاج الدعاية بواسطة الذكاء الاصطناعي

وفقاً لأبحاث التهديدات التي أجرتها OpenAI، استُخدم الذكاء الاصطناعي في عملية تأثير أطلقت عليها تسمية Zero Zeno ونفذتها شركة الحملات السياسية الإسرائيلية STOIC، بهدف إنتاج وتحرير مقالات منشورة على الإنترنت ومحتوى لمنصات التواصل الاجتماعي.

وتضمنت المواد المنتجة رسائل مناهضة لحماس ومؤيدة لإسرائيل.

وكانت هذه المرحلة الأولى التي استُخدم فيها الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة لإنتاج محتوى دعائي. لكن وثائق ظهرت لاحقاً بيّنت أن المنهج تطور باتجاه مسألة أكثر تقدماً: تحديد المصادر التي ستظهر أمام الذكاء الاصطناعي نفسه.

المرحلة الثانية: استهداف البيئة المصدرية للذكاء الاصطناعي

تُعد خطة عمل Clock Tower X المقدمة إلى وزارة العدل الأميركية بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب واحدة من أوضح الوثائق الأولية التي تكشف استراتيجية تستهدف التأثير في البيئة المصدرية للذكاء الاصطناعي.

وتنص خطة العمل على إعداد ما لا يقل عن 100 قطعة محتوى رئيسية شهرياً، وإنتاج خمسة آلاف نسخة مختلفة منها تناسب شرائح جماهيرية متعددة، على أن يُكيف ما لا يقل عن 80% من المحتوى ليتناسب مع الجيل زد (Generation Z)، وأن تحقق الحملة ما لا يقل عن 50 مليون ظهور مدفوع شهرياً.

لكن الجزء الأكثر لفتاً للانتباه في الوثيقة يندرج تحت عنوان «عمليات البحث واللغة».

وتخطط Clock Tower X لاستخدام منصة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تُدعى MarketBrew لزيادة ظهور سرديات محددة في محركات البحث، ودفعها إلى مراتب أكثر تقدماً، وإنشاء صفحات إلكترونية جديدة تحمل هذه السرديات.

وبحسب خطة العمل، يُفترض إنشاء ما لا يقل عن 20 موقعاً أو صفحة إلكترونية جديدة كل شهر.

وبعبارة أخرى، لا يقتصر الأمر على إنتاج الرسالة الدعائية، بل يمتد إلى إنشاء بيئة معلوماتية كاملة يمكن العثور فيها على تلك الرسالة والتعامل معها بوصفها مصدراً على الإنترنت.

ومن أكثر العبارات دلالة في الوثيقة الإشارة إلى أن المواقع والمحتويات التي سيتم إنشاؤها ستُستخدم بهدف تحقيق «نتائج تأطير GPT» داخل محادثات أنظمة GPT.

فالهدف هنا ليس مجرد تحقيق حضور أكبر في نتائج محركات البحث، وإنما ضمان أن تواجه أنظمة ذكاء اصطناعي مثل ChatGPT، أثناء صياغة إجاباتها عن موضوع ما، مصادر محددة، وأن تدخل السردية التي تحملها تلك المصادر ضمن الإطار الذي ستُبنى عليه الإجابة.

ولهذا يمثل نموذج Clock Tower X انتقالاً من الدعاية الرقمية الكلاسيكية إلى استراتيجية اتصالية جديدة تستهدف البيئة المعرفية والمصدرية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي.

المرحلة الثالثة: هندسة المصادر للآلة

يكشف نموذج شركة Piro Inc. بصورة أكثر وضوحاً عن كيفية عمل هذا الأسلوب.

ولا يُقصد بـ«الآلة» هنا جهاز مادي، بل أنظمة الذكاء الاصطناعي القائمة على نماذج اللغة الكبيرة، مثل ChatGPT وGemini وClaude وPerplexity، التي تقرأ مصادر معلومات مختلفة وتقيمها قبل إنتاج الإجابة.

وبحسب سجلات وزارة العدل الأميركية، تعمل Piro عبر Havas Media Germany، التي تعمل بدورها نيابة عن وكالة الإعلانات التابعة للحكومة الإسرائيلية LaPam.

أما خدمة «تحسين السردية في الذكاء الاصطناعي» التي تعرضها Piro على موقعها الإلكتروني، فتقدم وصفاً واضحاً لطريقة العمل.

تبدأ الشركة أولاً برسم خريطة للمصادر التي تقرؤها نماذج الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه المصادر نقاشات موقع Reddit، والنصوص المفرغة من مقاطع YouTube، وصفحات الناشرين، والمنتديات، ومواقع المقارنة.

بعد ذلك، تعد الشركة محتوى منظماً ومدعوماً بالمصادر، مصمماً بما يتناسب مع الطريقة التي تقيّم بها نماذج اللغة الكبيرة موثوقية المعلومات.

ولا يُنشر هذا المحتوى على موقع العميل وحده، وإنما أيضاً في منصات ومواقع تابعة لأطراف ثالثة.

ثم يجري قياس المصادر التي تستشهد بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإعادة تعديل المحتوى ونشره مجدداً، قبل قياس النتائج مرة أخرى.

وبذلك، تخرج الدعاية من نموذج إنتاج المحتوى لمرة واحدة، لتتحول إلى نظام مستمر للقياس والاختبار وإعادة الضبط وفقاً للإجابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي.

وهنا لا يعود الأمر مجرد تحسين للظهور في محركات البحث.

فالهدف هو دفع الذكاء الاصطناعي إلى قراءة مصدر معين، واعتباره موثوقاً، والاستشهاد به، ثم تحويل السردية التي يحملها ذلك المصدر إلى واحدة من اللبنات التي يستخدمها في بناء إجابته.

وأُطلق على هذا الأسلوب وصف «هندسة المصادر للآلة».

فالغاية ليست مجرد الظهور في إجابة الذكاء الاصطناعي، وإنما التحول إلى أحد المصادر التي تُبنى منها تلك الإجابة أصلاً.

هانوفر: عندما يُصنع المصدر نفسه

يقدم نموذج Hanover Institute for Public Policy المرحلة التالية من هذه الآلية.

فبحسب تحقيق لصحيفة الغارديان، نشر الموقع، الذي لا يظهر له كيان قانوني واضح أو عنوان فعلي أو موظفون أو كتّاب بأسماء موقعة، خلال تسعة أيام فقط 124 تقريراً تضم أكثر من 560 ألف كلمة.

وجاءت معظم العناوين تقريباً على هيئة أسئلة يمكن توجيهها إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، من بينها أسئلة تتعلق بما إذا كانت إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة.

وبدت النصوص أكاديمية، شديدة الاعتماد على المصادر، وتحمل مظهر البحث المحايد، لكنها كانت تتضمن أطراً سردية مشتركة تعمل على إضعاف الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل.

وهنا لا تُنتج الدعاية داخل المحتوى وحده، بل يصبح مظهر المصدر نفسه جزءاً من الاستراتيجية الاتصالية.

فالدعاية لا تكتفي بإنتاج الرواية، وإنما تسعى أيضاً إلى إنتاج السطح المعرفي الذي سيحمل هذه الرواية، والذي يُراد لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تتعامل معه بوصفه مصدراً موثوقاً.

ولهذا، يمكن للدعاية في عصر الذكاء الاصطناعي أن تتخلى عن شكلها الدعائي المباشر، وتتخذ هيئة تقرير أكاديمي، أو موقع بحثي، أو تحليل موثّق بالمراجع، أو صفحة معلومات تبدو محايدة.

الخلاصة: الحقيقة نفسها أصبحت الجبهة الجديدة

منذ 7 أكتوبر، حوّلت إسرائيل الإبادة التي تنفذها في غزة أيضاً إلى حرب واسعة على السردية والوعي.

فالحرب المادية وحرب الاتصال لم تسيرا بوصفهما مجالين منفصلين. بل أصبحت الطريقة التي تُفهم بها العمليات العسكرية في الرأي العام الدولي، وكيفية إضفاء الشرعية عليها، والمفاهيم المستخدمة لوصفها، أجزاء من الاستراتيجية نفسها.

واليوم تنتقل هذه الاستراتيجية إلى مجال الذكاء الاصطناعي.

فكما استخدمت إسرائيل السينما والإعلام والمنصات الرقمية والخوارزميات، تسعى الآن إلى تحويل المعلومة والمصدر والإجابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي إلى ساحات للصراع نفسه.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الدعاية تقتصر على السؤال: ما المحتوى الذي سيُعرض أمام الإنسان؟

بل أصبحت تشمل أيضاً أسئلة من قبيل: ما المصادر التي سيواجهها الذكاء الاصطناعي؟ وأيها سيعتبره موثوقاً؟ وما المعلومات التي سينتقيها؟ وضمن أي إطار سيصوغ إجابته للمستخدم؟

وهكذا أصبحت هذه العناصر نفسها موضوعاً للصراع الاتصالي.

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، كانت الرسالة تنتقل عبر المنصة مباشرة إلى الإنسان. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد دخل بين الرسالة والإنسان نظام يقوم باختيار المصادر، وإعادة تنظيم المعلومات، وإنتاج إجابة جديدة.

ولهذا أصبحت محاولات التأثير في المعلومات والبيئة المصدرية جزءاً من السعي إلى التأثير في إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومن ثم في التصورات التي تتشكل لدى الجمهور من خلالها.

وبهذا المعنى، لا تسعى إسرائيل إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد منصة جديدة تُروى عبرها الحرب على غزة، بل بوصفه جبهة جديدة في الصراع على الكيفية التي تُبنى بها الحقيقة نفسها.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!