
ترك برس
في واحد من أجمل المواقع التاريخية بمدينة إسطنبول، وبين أروقة حديقة غولهانه المحاذية لمنطقة القصر، يقع متحف إسطنبول لتاريخ العلوم والتكنولوجيا في الإسلام، الذي يقدم لزواره نافذة على مرحلة بارزة من تاريخ العلوم، من خلال عرض نماذج وأجهزة وأدوات تعكس ما قدمه علماء العالم الإسلامي من إسهامات في تطور المعرفة الإنسانية.
ويتميز المتحف بموقعه داخل حديقة غولهانه، إحدى أشهر المساحات التاريخية والخضراء في إسطنبول، وبالقرب من أبرز المعالم السياحية في المدينة، كما شُيد ملاصقًا لجدار «السور السلطاني» (Sur-ı Sultani) المحيط بمنطقة القصر، ما يمنحه موقعًا يجمع بين القيمة التاريخية للمكان والمضمون العلمي الذي يقدمه للزائر.
وافتتحت وزارة الثقافة والسياحة التركية المتحف في 24 مايو/أيار 2008، ليكون امتدادًا لمشروع علمي وثقافي بدأه المؤرخ التركي الراحل البروفيسور الدكتور فؤاد سيزغين، الذي كان قد أسس عام 1983 متحفًا مماثلًا داخل معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية التابع لجامعة غوته في مدينة فرانكفورت الألمانية، حيث عُرضت فيه أكثر من 800 قطعة ونموذج ومجسم أعيد إعدادها استنادًا إلى مصادر ومخطوطات علمية تاريخية.
ويقدم متحف إسطنبول نسخة موسعة من هذه التجربة، إذ يضم مساحة عرض تبلغ نحو 3500 متر مربع، وتحتوي مجموعته على 585 نسخة من الأدوات والأجهزة والنماذج والمجسمات التي تعيد تقديم عدد من الابتكارات والاكتشافات والأعمال التي أنجزها علماء مسلمون بين القرنين التاسع والسادس عشر.
ويُعد المتحف الأول من نوعه في تركيا، والثاني عالميًا بعد المتحف الذي أسسه سيزغين في فرانكفورت، كما يسعى من خلال مقتنياته إلى إظهار جوانب من التطور العلمي والتقني الذي شهدته الحضارة الإسلامية خلال قرون، وإبراز إسهامات علماء تلك المرحلة في مجالات مختلفة من العلوم والمعارف.
وتتوزع مقتنيات المتحف على 12 قسمًا رئيسيًا، تغطي مجموعة واسعة من التخصصات العلمية والتطبيقية، هي: علم الفلك، والساعات والملاحة البحرية، وتقنيات الحرب، والطب، والتعدين، والفيزياء، والرياضيات والهندسة، والهندسة المعمارية والتخطيط الحضري، والكيمياء والبصريات، والجغرافيا، إلى جانب مجالات أخرى مرتبطة بتاريخ العلوم والتكنولوجيا.
ولا تقتصر أهمية المتحف على عرض نماذج لأدوات وأجهزة قديمة، بل ترتبط فكرته الأساسية برؤية فؤاد سيزغين لتاريخ العلم بوصفه مسارًا متصلًا شاركت فيه حضارات وشعوب متعددة، وليس سلسلة من الإنجازات المنفصلة عن بعضها. فقد أمضى سيزغين أكثر من نصف قرن في البحث في تاريخ العلوم والتكنولوجيا في الحضارة الإسلامية، مستندًا إلى المصادر الأصلية والمخطوطات والدراسات التاريخية.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يؤكد المشروع الذي يقوم عليه المتحف أن تاريخ العلوم والتكنولوجيا يمثل تراثًا مشتركًا للبشرية جمعاء، وأن الهدف من عرض هذه النماذج هو إظهار إسهام الحضارة والثقافة الإسلامية في هذا الإرث العلمي العالمي.
وتحاول مقتنيات المتحف، من خلال إعادة بناء عدد من الأدوات والأجهزة التي وصفها العلماء المسلمون في مؤلفاتهم، تقديم صورة ملموسة عن طبيعة المعرفة العلمية والتقنية التي كانت متداولة في العالم الإسلامي، وعن الطرق التي استخدمها العلماء في دراسة الظواهر الطبيعية وتطوير أدوات القياس والحساب والملاحة والطب وغيرها من المجالات.
ويجمع المتحف، بذلك، بين البعد العلمي والبعد الجمالي والتعليمي؛ فالمعروضات لا تقدم معلومات تاريخية فحسب، وإنما تمنح الزائر فرصة للتعرف بصورة مباشرة إلى نماذج من الابتكارات العلمية التي شهدتها الحضارة الإسلامية، وإلى الطريقة التي تطورت بها العلوم وتداخلت فيما بينها عبر مراحل تاريخية مختلفة.
كما يسعى المتحف إلى إظهار المسار الذي قطعه تاريخ العلوم في العالم الإسلامي، من خلال الأعمال والوثائق والنماذج المعروضة، بما يجعل التجربة متصلة بالحاضر والمستقبل، ويطرح أمام الزائر سؤالًا أوسع حول انتقال المعرفة بين الحضارات وكيف أسهم التفاعل العلمي في بناء المنجز الإنساني الحديث.
ومن منظور تاريخ العلم، يكتسب المتحف أهمية إضافية باعتباره جسرًا يربط بين الثقافتين العلمية الشرقية والغربية، ويقدم سردية تؤكد أن تطور العلوم لم يكن نتاج حضارة واحدة أو منطقة جغرافية محددة، بل جاء نتيجة تراكم طويل للمعارف وتبادلها وانتقالها بين المجتمعات.
ويرتبط اسم المتحف بصورة وثيقة بمؤسسه الفكري فؤاد سيزغين، الذي كرس جانبًا كبيرًا من حياته لدراسة تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية والتعريف به. وقد ترك خلال مسيرة علمية امتدت قرابة قرن من الزمن أعمالًا ودراسات تناولت جوانب مهمة من إسهامات العلماء المسلمين في تاريخ العلوم.
وتوفي فؤاد سيزغين في 30 يونيو/حزيران 2018 عن عمر ناهز 94 عامًا، بعد مسيرة علمية طويلة ترك خلالها إرثًا بحثيًا وثقافيًا واسعًا. وتقديرًا لإسهاماته في دراسة تاريخ العلوم والتعريف بالحضارة العلمية الإسلامية، أعلنت الرئاسة التركية عام 2019 «عام فؤاد سيزغين».
وبينما يستقبل المتحف زواره في قلب إسطنبول، فإنه لا يقدم مجرد محطة سياحية ضمن قائمة المعالم التاريخية للمدينة، بل يوفر تجربة معرفية تسعى إلى إعادة وصل الحاضر بجزء من تاريخ العلوم، والتعريف بالدور الذي أدته الحضارة الإسلامية في مسيرة المعرفة الإنسانية، من خلال نماذج علمية وتقنية أعيد بناؤها استنادًا إلى المصادر التاريخية.
ويأتي المتحف ضمن المتاحف التي يمكن زيارتها باستخدام Museum Pass Istanbul، الذي يتيح لحامليه زيارة 13 متحفًا تابعًا لوزارة الثقافة والسياحة التركية والقصور الوطنية في إسطنبول لمدة خمسة أيام، مقابل 105 يورو. وتخضع بعض المتاحف لمواعيد دخول محددة، إذ يجب الدخول إلى برج غلطة قبل الساعة 18:14، وإلى متحف إسطنبول للآثار ومتحف الفن التركي والإسلامي قبل الساعة 18:45، فيما لا تكون البطاقة صالحة للزيارات المتأخرة بعد الساعة 19:00.
وهكذا يظل متحف إسطنبول لتاريخ العلوم والتكنولوجيا في الإسلام مساحة تلتقي فيها السياحة بالتاريخ والعلم، وتتحول فيها الأدوات والنماذج إلى وسيلة لاستعادة جانب من الذاكرة العلمية للحضارة الإسلامية، وإلى تذكير بأن المعرفة الإنسانية تشكلت عبر مسار طويل من التراكم والتفاعل بين الحضارات.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











