ترك برس

على صخرة صغيرة تتوسط مياه البوسفور قبالة منطقة أسكودار في الجانب الآسيوي من إسطنبول، يقف برج الفتاة "قيز قوليسي" شاهدا صامتا على تاريخ مدينة عاشت تحولات الإمبراطوريات والحروب والأوبئة، ورافقت عبر قرون طويلة حركة السفن بين آسيا وأوروبا.

ولا يعد البرج، الذي بات اليوم أحد أشهر رموز إسطنبول وأكثر معالمها حضورا في ذاكرة الزوار، مجرد بناء تاريخي يزين مشهد البوسفور، بل يحمل بين جدرانه حكاية ممتدة لأكثر من ألفي عام. فقد تغيرت وظائفه باستمرار مع تغير الأزمنة، فكان نقطة للجمارك ومراقبة السفن، ثم برجا دفاعيا وقلعة، قبل أن يتحول إلى منارة بحرية ومستشفى للحجر الصحي ومحطة للرادار والمراقبة، وصولا إلى افتتاحه مجددا معلما ومتحفا بعد أعمال ترميم شاملة.

وبينما تتلألأ أضواء المدينة من حوله وتتحرك السفن في مياه البوسفور، يواصل برج الفتاة سرد فصول من تاريخ إسطنبول، منذ العصور القديمة ومرورا بالعهد البيزنطي والدولة العثمانية والجمهورية التركية، ليصبح اليوم جسرا رمزيا بين ماضي المدينة وحاضرها.

من نقطة جمركية إلى برج دفاعي

تشير المعلومات التاريخية إلى أنه تم إنشاء نقطة جمركية على الجزيرة الصغيرة التي يقع عليها برج الفتاة حاليا عام 410 قبل الميلاد، حيث بني برج لمراقبة السفن القادمة من البحر الأسود وفرض الضرائب عليها.

وفي القرن الثاني عشر، شهدت الجزيرة مرحلة جديدة عندما أمر الإمبراطور البيزنطي مانويل الأول كومنينوس ببناء برج دفاعي فيها، في إطار إجراءات لحماية المدينة والسيطرة على حركة الملاحة في البوسفور.

وكانت سلسلة ضخمة تمد بين البرج وبرج آخر يقع بالقرب من دير مانغانا في منطقة سراي بورنو، بهدف التحكم في دخول السفن وخروجها من المضيق، في وقت كان فيه البوسفور أحد أهم الممرات البحرية والاستراتيجية في المنطقة.

برج الفتاة في العهد العثماني

بعد فتح إسطنبول، شهد البرج تحولا جديدا على يد السلطان العثماني محمد الفاتح، الذي أمر ببناء قلعة جديدة في الموقع.

وتمركزت في القلعة مجموعة من الحراس، فيما ارتبط البرج أيضا ببعض المظاهر الاحتفالية للدولة العثمانية. إذ كانت فرقة المهتر تعزف فيه كل مساء بعد صلاة العشاء وقبيل الفجر.

كما أصبح إطلاق المدافع من برج الفتاة تقليدا متبعا خلال الأعياد وعند اعتلاء السلاطين العرش، وكذلك خلال زياراتهم للقصور الساحلية.

ومع مرور الوقت، تغيرت وظيفة البرج من الدفاع العسكري إلى خدمة الملاحة البحرية. ففي القرن الثامن عشر، وضع الصدر الأعظم نيفشهيرلي داماد إبراهيم باشا، في عهد السلطان أحمد الثالث، مصباحا في الجزء الشمالي من البرج لإرشاد السفن القادمة من البحر الأسود وبحر مرمرة ليلا.

ومنذ ذلك الحين، بدأ البرج يفقد وظيفته كقلعة ويتحول تدريجيا إلى منارة بحرية.

ملجأ من الأوبئة

لم تقتصر قصة برج الفتاة على الملاحة والدفاع، إذ أدى دورا إنسانيا مهما خلال فترات انتشار الأوبئة في إسطنبول.

فبين عامي 1830 و1831، تحول البرج إلى مستشفى للحجر الصحي، في محاولة لمنع انتشار وباء الكوليرا داخل المدينة.

كما استخدم مرة أخرى خلال وباء الطاعون الذي شهدته المنطقة بين عامي 1836 و1837، والذي أودى بحياة ما بين 20 و30 ألف شخص، حيث تم عزل عدد من المرضى في المستشفى الذي أقيم داخل البرج للحد من انتشار الوباء.

وهكذا، تحول المبنى الصغير وسط المياه إلى خط دفاع صحي لمدينة كانت في ذلك الوقت واحدة من أكبر مدن المنطقة وأكثرها كثافة وحركة.

منارة ومستودع ومحطة للرادار

في عام 1857، نُقل برج الفتاة إلى إدارة المنارات، وأضيفت إليه منارة جديدة من قبل شركة فرنسية.

وفي عام 1926، انتقلت إدارته إلى إدارة ميناء إسطنبول، حيث استخدم إلى جانب وظيفته كمنارة مستودعا للغاز.

أما اعتبارا من عام 1959، فقد دخل البرج مرحلة مختلفة من تاريخه، إذ استخدم لفترة محطة للرادار والمراقبة.

وكانت الأضواء تشغل فيه مساء لضمان سلامة الملاحة البحرية، بينما كانت صافرة الضباب تستخدم في الأجواء التي تنخفض فيها الرؤية.

كما اضطلع البرج حتى عام 1983 بمهمة الإبلاغ عن جميع السفن العابرة للبوسفور ومراقبتها على مدار الساعة، نظرا إلى محدودية الرؤية في محطتي الإرشاد البحري في حارم والميناء.

وفي عام 1964، استخدم البرج محطة مراقبة ورادار تابعة لوزارة الدفاع الوطني، قبل أن ينقل عام 1983 إلى إدارة الموانئ والملاحة التركية.

فصول غريبة في تاريخ البرج

عرف برج الفتاة خلال تاريخه الحديث استخدامات متعددة، بعضها غير مألوف بالنسبة إلى معلم تاريخي تحول لاحقا إلى أحد أبرز المقاصد السياحية في إسطنبول.

ففي إحدى الفترات، استخدم البرج لتخزين مادة السيانيد. ومع توجه بلدية أسكودار إلى تحويله إلى منشأة سياحية، تقرر عام 1992 نقل المواد المخزنة فيه إلى مستودع في منطقة توزلا، بموجب قرار اتخذه مجلس بلدية إسطنبول الكبرى.

وفي العام نفسه، شهد البرج فصلا ثقافيا مختلفا، إذ استخدمه الشعراء لفترة وأطلقوا عليه اسم "جمهورية الشعر".

وفي عام 1994، نقل البرج من وزارة المواصلات إلى قيادة القوات البحرية، قبل أن يخضع بين عامي 1995 و2000 لعملية ترميم واسعة، ليبدأ بعدها فصلا جديدا بوصفه منشأة مخصصة للأغراض السياحية.

ثورة في الترميم وعودة إلى إسطنبول

في عام 2020، انتقلت ملكية برج الفتاة إلى وزارة الثقافة والسياحة التركية، لتبدأ مرحلة جديدة من أعمال الترميم الشامل عام 2021.

وبعد عامين من أعمال الترميم والدراسات، أعيد افتتاح البرج عام 2023 أمام الزوار بصفته معلما تاريخيا، في إطار رؤية تهدف إلى الحفاظ على هويته الأصلية وإبراز قيمته التاريخية.

كما أصبح برج الفتاة وحدة تابعة لإدارة متحف برج غلطة، الذي أنشأته وزارة الثقافة والسياحة، ليحصل اثنان من أشهر رموز إسطنبول على هوية متحفية جديدة.

رحلة عبر تاريخ إسطنبول

اليوم، لم يعد برج الفتاة مجرد محطة في رحلة سياحية على البوسفور، بل تحول إلى مكان يمكن من خلاله قراءة تاريخ إسطنبول نفسها.

فمنذ أن راقب السفن القادمة من البحر الأسود قبل أكثر من ألفي عام، مرورا بالتحصينات البيزنطية والاحتفالات العثمانية والأوبئة والمنارات والرادارات، ظل البرج حاضرا في قلب التحولات التي عاشتها المدينة.

ويواصل هذا الرمز التاريخي، بعد ترميمه وفتحه أمام الزوار، استقبال عشاق التاريخ وإسطنبول، حاملا في موقعه الفريد وسط البوسفور ذاكرة مدينة لم تتوقف يوما عن التجدد، بينما بقي برج الفتاة، على الرغم من تغير وظائفه وعصور من مروا به، واحدا من أكثر شواهدها حضورا وخصوصية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!