ترك برس

على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وفي أقصى الجزء الغربي من ولاية شانلي أورفا جنوب شرقي تركيا، تستقر خلفتي بوصفها واحدة من أكثر المدن التركية تميزا بما تختزنه من تاريخ عريق وطبيعة آسرة وحكايات ارتبطت بالمكان عبر آلاف السنين. 

المدينة التي يعود تاريخها إلى نحو 3 آلاف عام، تجمع في مشهد واحد بين آثار حضارات متعاقبة، ومياه الفرات التي غمرت جزءا من عمرانها القديم، ومنازل حجرية ومآذن وقلاع لا يزال بعضها يظهر فوق سطح الماء، فضلا عن شهرتها بالوردة السوداء التي ارتبطت باسمها حتى باتت إحدى أبرز رموزها.

وتكتسب خلفتي خصوصيتها من هذا التداخل اللافت بين التاريخ والطبيعة؛ إذ إن الزائر لا يجد أمامه مدينة أثرية تقليدية فحسب، بل مشهدا تتجاور فيه بقايا المدينة القديمة مع مياه النهر، بينما تروي المباني الغارقة جزءا من قصة التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. وفي عام 2013، أدرجت خلفتي ضمن شبكة «المدن البطيئة» (Cittaslow)، التي تضم مدنا وبلدات تسعى إلى الحفاظ على طابعها المحلي وتراثها الثقافي والطبيعي، وتعزيز نمط سياحي أكثر هدوءا واستدامة.

وتنقسم خلفتي اليوم إلى قسمين رئيسيين، هما «خلفتي القديمة» و«خلفتي الجديدة». وقد غمرت مياه نهر الفرات جزءا كبيرا من المدينة القديمة بعد اكتمال سد بيريجيك على النهر عام 2000، ما دفع سكانها إلى الانتقال إلى منطقة جديدة تبعد نحو 15 كيلومترا، وأطلق عليها اسم «خلفتي الجديدة». أما المنطقة التي بقيت تحت المياه فأصبحت تعرف باسم «خلفتي القديمة»، وتحولت مع مرور الوقت إلى وجهة سياحية تستقطب الزوار الراغبين في مشاهدة آثار المدينة الغارقة.

وتكشف الروايات التاريخية عن عمق جذور خلفتي، التي يرجع تاريخ الاستيطان فيها إلى عام 885 قبل الميلاد، خلال عهد الملك الآشوري شلمنصر الثاني. وخلال الحقبة الرومانية، تطورت المنطقة تحت اسم «أكاماى»، قبل أن تحمل لاحقا اسم «كويلا»، المشتق من تسمية «رومايون كولا» أو «القلعة الرومانية». وعلى امتداد القرون التالية، تعاقبت على المنطقة حضارات وقوى سياسية مختلفة، إذ خضعت بين القرنين السادس والثامن الميلاديين للساسانيين والعرب والأمويين والعباسيين، قبل أن يسيطر عليها السلاجقة في القرن الحادي عشر، ثم انضمت إلى الدولة العثمانية في القرن السادس عشر.

ولعل أكثر ما يميز خلفتي اليوم هو إمكانية اكتشاف «المدينة القديمة» من مياه الفرات. ويمكن للزائر استئجار أحد القوارب الصغيرة المنتشرة على ضفاف النهر، والانطلاق في جولة تكشف تدريجيا عن المشهد الفريد للمدينة الغارقة. وبينما يشق القارب طريقه فوق المياه، تظهر المنازل الحجرية وقد غمرها النهر جزئيا، إلى جانب الأشجار والمآذن وبقايا القلاع والقصور التاريخية، في مشهد يمنح المكان طابعا يجمع بين الغرابة والجمال.

وتبرز مئذنة قرية «سافاشان» شبه الغارقة باعتبارها واحدة من أكثر معالم خلفتي رمزية، إذ أصبحت صورتها المرتفعة فوق مياه الفرات مرتبطة بصورة المدينة في الذاكرة السياحية. كما تمنح الرحلات النهرية الزائر فرصة لمشاهدة تفاصيل المدينة القديمة من زاوية مختلفة، والتعرف على آثارها التي بقيت شاهدة على تاريخ طويل من الاستيطان والحضارات المتعاقبة.

ولا تقتصر تجربة زيارة خلفتي على مشاهدة المعالم التاريخية والطبيعية، إذ تقدم المنطقة أيضا جانبا من المطبخ المحلي الذي يعكس خصوصية جنوب شرقي تركيا. ويمكن للزائر التوقف في المطاعم الصغيرة المنتشرة حول البحيرة لتذوق أطباق محلية، من بينها «كباب خلفتي بالباذنجان» وسمك «الشبوط» المشوي، وهما من الأطباق التي تضيف بعدا آخر إلى تجربة استكشاف المنطقة.

وبعيدا عن جولات القوارب والمواقع التاريخية، يمكن للزائر الاستمتاع بأجواء أكثر هدوءا في «قصر كانه جي» الذي يعود تاريخه إلى نحو 200 عام، أو الجلوس في الحدائق المحيطة بالقرية لاحتساء الشاي التركي أو تذوق القهوة التركية، في مشهد يجمع بين بساطة الحياة المحلية وسحر المكان.

وتحظى خلفتي كذلك بشهرة خاصة بسبب «الوردة السوداء»، التي تقول الرواية المحلية إنها لا تنمو في العالم إلا في هذه المنطقة. ويطلق السكان المحليون عليها اسم «الفتاة العربية الباكية»، وتزهر الوردة في فصلي الربيع والخريف، لتضيف إلى هوية المدينة بعدا رمزيا آخر، وتزيد من جاذبيتها لدى الزوار والمهتمين بالطبيعة.

وهكذا تبدو خلفتي مدينة لا تختصر في معلم سياحي واحد، بل تقدم تجربة متكاملة تتداخل فيها مياه الفرات مع آثار مدينة قديمة، وتتجاور فيها حكايات الحضارات مع المطبخ المحلي والحدائق والمقاهي، فيما تمنحها الوردة السوداء رمزا فريدا. وبين «خلفتي القديمة» الغارقة جزئيا و«خلفتي الجديدة» التي احتضنت سكانها، تواصل المدينة الحفاظ على مكانتها كإحدى الوجهات الأكثر تميزا في جنوب شرقي تركيا.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!