
ترك برس
يرى الكاتب والصحفي التركي يشار سنغو أن النظر بإيجابية إلى العالم بات أمرا صعبا في ظل تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه ضرورة البحث عن الجوانب الإيجابية الكامنة حتى في الأزمات والسلبيات.
وفي مقال بصحيفة «يني شفق» التركية، تزامنا مع ما يعرف بـ«اليوم العالمي للتفكير الإيجابي» في 13 سبتمبر/ أيلول، يقول سنغو إن الأخبار التي تحمل مؤشرات إيجابية وتدفع إلى الاعتقاد بأن «أشياء جميلة تحدث» تستحق الاهتمام، مشيرا إلى ما يعتبره تصحيحا لواحد من أبرز الأخطاء البصرية في خرائط العالم، والمتعلق بحجم القارة الإفريقية.
إفريقيا أكبر بكثير مما تظهره الخرائط
ويشير الكاتب إلى أن الخرائط العالمية التي استخدمت على نطاق واسع لعقود جعلت أوروبا تبدو قريبة في الحجم من إفريقيا، أو حتى أكثر هيمنة منها بصريا، بينما تبلغ مساحة إفريقيا نحو 30.3 مليون كيلومتر مربع، مقابل نحو 10.1 ملايين كيلومتر مربع لأوروبا، أي أن إفريقيا أكبر منها بنحو ثلاثة أضعاف.
ويضيف أن جزيرة غرينلاند تبدو في كثير من الخرائط بحجم يقارب حجم إفريقيا، رغم أن القارة الإفريقية أكبر منها بنحو 14 مرة، لافتا إلى أن مساحة إفريقيا كبيرة إلى درجة تسمح باستيعاب الولايات المتحدة والصين والهند واليابان وجزء كبير من أوروبا داخلها في الوقت نفسه.
ويرى سنغو أن هذه الصورة الجغرافية المشوهة ترسخت في أذهان أجيال درست الجغرافيا باستخدام خرائط تعتمد إسقاط «ميركاتور»، معتبرا أن ذلك أسهم في خلق ما يسميه «ظلما جغرافيا» وتشويها للتصور البصري لحجم القارة الإفريقية.
ثروات هائلة خلف الصورة الجغرافية
ويربط الكاتب بين الصورة التي تظهر بها إفريقيا على الخرائط وبين واقعها الاقتصادي، مشيرا إلى أن القارة تمتلك نحو 30 بالمئة من احتياطيات المعادن المكتشفة في العالم، ويستعرض مجموعة واسعة من الموارد التي تزخر بها دولها.
ويذكر أن جنوب إفريقيا تعد من الدول الرائدة عالميا في احتياطيات الذهب والبلاتين والألماس والفحم، بينما تمثل جمهورية الكونغو الديمقراطية مركزا عالميا للكوبالت والنحاس المستخدمين في صناعة البطاريات.
كما يشير إلى مكانة بوتسوانا في إنتاج الألماس، ونيجيريا وأنغولا في إنتاج النفط، والجزائر ومصر في النفط والغاز الطبيعي، فضلا عن احتياطيات الغاز الطبيعي المسال الضخمة في موزمبيق.
ويضيف أن النيجر وناميبيا من الدول المهمة في إنتاج اليورانيوم المستخدم في الطاقة والتكنولوجيا النووية، فيما تعد غانا من أبرز مراكز إنتاج الذهب، وزامبيا من كبار منتجي النحاس.
ويشير أيضا إلى احتياطيات البوكسيت والحديد في غينيا، والليثيوم والبلاتين والكروم والذهب في زيمبابوي، والفوسفات في المغرب، والذهب في مالي وبوركينا فاسو، والحديد عالي الجودة في موريتانيا، والأحجار الكريمة والنيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة في مدغشقر، فضلا عن مكانة السودان بين أكبر منتجي الذهب في القارة.
الاستغلال وراء الفقر.. وفق الكاتب
ويرى سنغو أن هذه الدول الغنية بالموارد الطبيعية تشترك، في رأيه، في مشكلة أخرى، تتمثل في الانقسامات الداخلية والصراعات والحروب الأهلية التي تعاني منها أجزاء واسعة من القارة.
ويذهب الكاتب إلى أن الشركات الأوروبية استفادت من هذه الأوضاع، معتبرا أنها تستغل الانقسامات والنزاعات والفقر لإخراج الموارد المعدنية من الدول الإفريقية، بل ويشير إلى ما يصفه بمفارقة تقديم عمليات استخراج ونقل هذه الموارد باعتبارها مصدرا لفرص العمل.
ويطرح سنغو تساؤلا حول السبب الحقيقي وراء ظهور إفريقيا بحجم أصغر بكثير من حجمها الفعلي على خرائط العالم، ويرى أن الأمر، في تفسيره، ارتبط بمحاولة إخفاء حجم المناطق التي تعرضت للاستغلال، وكذلك إخفاء الصلة التي يعتقد أنها قائمة بين ثراء الغرب والموارد التي استُخرجت من إفريقيا.
التكنولوجيا كشفت ما تخفيه الخرائط
ويعتبر الكاتب أن استمرار الصورة القديمة لم يعد ذا جدوى، بعدما أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، في رأيه، للجمهور الوصول إلى معلومات واسعة بشأن تاريخ العلاقات الاقتصادية بين إفريقيا والدول الغربية واستغلال الموارد.
ويقول إن العالم عرف، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما كان يعتبره خفيا بشأن مصادر ثروة الولايات المتحدة وأوروبا، ولذلك لم يعد من الممكن الاستمرار في تجاهل الحقائق التي تكشفها هذه المنصات.
ومن هذا المنطلق، يربط سنغو بين النقاش حول خرائط العالم وبين تغير أوسع في طريقة وصول المعلومات إلى الجمهور، معتبرا أن التطورات التقنية قلصت قدرة المؤسسات والدول على التحكم في الصورة التي تقدم بها الأحداث والوقائع إلى الرأي العام.
غزة مثال آخر على انكشاف الحقائق
ويمتد تحليل الكاتب إلى الحرب في غزة، حيث يرى أن ما وصفه بمحاولات تجاهل ما يحدث في القطاع أو تقديم دعم سري لإسرائيل لم يعد قابلا للاستمرار بعد انتشار الصور والمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويقول سنغو إن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في كشف ما يعتبره «نفاقا» غربيا تجاه الحرب، وإن الضغوط التي ترتبت على ذلك دفعت دولا غربية، وفق رؤيته، إلى اتخاذ مواقف أكثر انتقادا لإسرائيل.
ويخلص الكاتب إلى أن الحقائق يمكن أن تُخفى أو يتم التعتيم عليها لفترة طويلة، لكنها لا تبقى كذلك إلى الأبد، مؤكدا أن من طبيعة الحقائق أن تجد طريقها في النهاية إلى الظهور.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











