ترك برس

ترى الكاتبة التركية آيشا فردا كانسو أن علاقة المستهلك بالعلامة التجارية لا تقتصر على عملية شراء عابرة، بل قد تتحول مع مرور الوقت إلى ارتباط عاطفي يرتبط بالهوية الشخصية والذكريات وحتى مراحل الطفولة، ولذلك فإن اتخاذ علامة تجارية موقفا سياسيا أو الارتباط بشخصية مثيرة للجدل يمكن أن يُنظر إليه من جانب المستهلك باعتباره خيانة للثقة وليس مجرد خطأ تسويقي.

وفي مقال نشره موقع «إندبندنت تركية»، تناولت كانسو الجدل المحيط بحملة إعلانية لشركة «أديداس»، معتبرة أن اختيار وجه إعلاني مرتبط بمؤسسة عسكرية إسرائيلية، بحسب توصيفها، جعلها تشعر بأن العلامة التي ارتبطت بها لسنوات «خانتها». وترى أن المشكلة بالنسبة إليها لا تكمن فقط في مضمون الإعلان، وإنما في الرسالة السياسية التي حملها اختيار الشخصية والجهة التي ظهرت من خلالها.

وتقول الكاتبة إن شركة عالمية بحجم «أديداس» كان يفترض أن تدرك أنها تخاطب جمهورا دوليا متنوعا، معتبرة أن تحويل موقف سياسي إلى أداة تسويقية يمثل، من وجهة نظرها، خطأ استراتيجيا كبيرا. وتضيف أن هذا التقييم يصبح أكثر حدة في ضوء ما تعتبره تناقضا مع قرار سابق للشركة بإنهاء تعاونها مع عارضة الأزياء ذات الأصول الفلسطينية بيلا حديد.

وترى كانسو أن بإمكان الشركة، لو تمسكت بموقف سياسي واضح، أن تعتبره خيارا تجاريا تتحمل تبعاته، إذ إن لكل مؤسسة، بحسب رأيها، الحق في تحديد جمهورها وموقعها في السوق، كما أن المستهلك يملك في المقابل حق قطع علاقته بالعلامة ومقاطعة منتجاتها.

لكن الكاتبة تعتبر أن تراجع الشركة عن موقفها بعد تصاعد ردود الفعل، وتقديمها اعتذارا، كان أكثر إضرارا بصورتها من التمسك بالقرار الأصلي. وتصف ذلك بأنه انتقال من «إدارة الأزمة» إلى ما تعتبره «عدم المصداقية»، إذ إن التراجع السريع، بحسب رأيها، جعل الشركة تبدو وكأنها تحاول إرضاء طرفين متعارضين في الوقت نفسه.

بين الموقف والرسالة

وتوسع كانسو طرحها لتصل إلى قاعدة أعم في الاتصال السياسي والتجاري، مفادها أن الرموز والوسائل والشخصيات التي تحمل الرسائل لا تقل أهمية عن مضمون الرسالة نفسها. وترى أن أي مؤسسة أو شخصية سياسية تسعى إلى إقناع الجمهور بموقف معين تحتاج إلى اختيار القناة والوجه المناسبين لإيصال هذا الموقف.

وتقول إن الرسالة الصادرة عبر شخص أو منصة تحظى بصورة سلبية لدى قطاعات واسعة من المجتمع قد تواجه مقاومة ورفضا بصرف النظر عن محتواها، لأن الجمهور قد يحاكم الرسالة من خلال حاملها قبل أن ينظر إلى مضمونها.

وفي هذا السياق، تستخدم الكاتبة أمثلة من السياسة الأمريكية لتوضيح فكرتها حول «اختيار الرسول الخطأ»، مستشهدة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمغني كانييه ويست، ثم بالرئيس الأسبق بيل كلينتون وجنيفر فلاورز.

ترامب وكانييه ويست.. حين يطغى الرسول على الرسالة

تستعيد كانسو واقعة استضافة ترامب للمغني كانييه ويست في البيت الأبيض عام 2018، وتقول إن ترامب كان يسعى من خلال التواصل مع ويست إلى الوصول إلى الناخبين الأمريكيين من أصول إفريقية والشباب، وإيصال رسائل تتعلق بالتوظيف وإصلاح نظام السجون.

غير أن الكاتبة ترى أن اختيار ويست ليكون قناة لإيصال هذه الرسائل أفضى إلى نتيجة عكسية. وتشير إلى أن ظهور المغني أمام الكاميرات في المكتب البيضاوي، وما رافقه من تصرفات وخطاب أثارا جدلا واسعا، طغى على الرسائل السياسية التي كان ترامب يريد إيصالها.

وبحسب تحليلها، تحول الاهتمام من قضايا الإصلاح والتوظيف إلى شخصية ويست وتصرفاته، ما أدى إلى إضعاف الرسالة الأصلية، بل وتحويل المبادرة السياسية إلى مادة للسخرية والانتقاد. وتخلص من ذلك إلى أن اختيار الشخص الذي يحمل الرسالة يمكن أن ينجحها أو يفشلها حتى لو كان مضمونها مدروسا.

كلينتون وجنيفر فلاورز.. أزمة الثقة

وتستشهد الكاتبة بمثال آخر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1992، حين كان بيل كلينتون، وفق روايتها، يسعى إلى تقديم نفسه للناخبين المحافظين باعتباره قائدا موثوقا يهتم بالقيم الأسرية والنزاهة.

وتشير إلى أن مزاعم وجود علاقة خارج إطار الزواج مع جنيفر فلاورز تحولت إلى أزمة سياسية وإعلامية، وأن محاولة التعامل معها عبر تصريحات محامي فلاورز ونفي الاتهامات لم تحقق الغرض المطلوب.

وترى كانسو أن اختيار فلاورز لتكون جزءا من استراتيجية الاتصال لم يساعد كلينتون على استعادة المصداقية، بل أسهم في تعقيد الأزمة، خصوصا بعد ظهور تسجيلات وتفاصيل جديدة في وسائل الإعلام. وتعتبر أن القضية شكلت نموذجا آخر على أن اختيار الشخص أو القناة التي تُنقل عبرها الرسالة قد يقلب الهدف السياسي من الدفاع عن الصورة العامة إلى تعميق الأزمة.

«الرسول» جزء من الرسالة

وتخلص الكاتبة إلى أن الدرس المشترك بين الأمثلة التي طرحتها، من العلامات التجارية إلى السياسة الأمريكية، هو أن الرسائل لا تُقاس بمحتواها وحده، وإنما أيضا بالجهة التي تقدمها والطريقة التي تقدم بها.

ومن هذا المنظور، ترى كانسو أن أزمة «أديداس» لا تتعلق فقط بإعلان أثار الجدل أو باعتذار لاحق، بل بمسألة أوسع تتعلق بإدارة هوية العلامة التجارية واختيار الرموز التي تمثلها أمام الجمهور. كما ترى أن التردد بين اتخاذ موقف واضح والتراجع عنه عند أول موجة من الانتقادات قد يضر بصورة المؤسسة لدى مؤيدي الطرفين معا.

وتقدم الكاتبة بذلك قراءة تقوم على أن «الرسول» قد يصبح أحيانا أهم من الرسالة نفسها، وأن اختيار الشخص أو القناة غير المناسبة قد يحول محاولة تحسين الصورة أو إيصال موقف معين إلى أزمة أكبر، سواء في عالم الشركات والعلامات التجارية أو في المجال السياسي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!