ترك برس

في ظل تعقيدات المشهد اليمني وتعدد أطراف الصراع، يرى الكاتب التركي غورسل توكماك أوغلو أن أي عملية عسكرية واسعة في اليمن تواجه تحديات استثنائية تجعل تحقيق نصر حاسم أمرًا بالغ الصعوبة. ويستند الكاتب، الرئيس السابق لقسم الاستخبارات في القوات الجوية التركية، في تحليله إلى طبيعة الجغرافيا اليمنية، وتطور قدرات جماعة الحوثي، ومشكلات الإمداد وتعدد القوى المحلية، فضلًا عن القيود السياسية والإنسانية والإقليمية التي تحيط بأي تحرك عسكري.

ويشير توكماك أوغلو، في مقال بموقع "إندبندنت تركية"، إلى أن اليمن ليس ساحة يمكن حسمها بالاعتماد على التفوق الجوي والتقدم المدرع، معتبرًا أن الجمع بين التضاريس الوعرة والمناخ القاسي والبنية الاجتماعية وتطور أساليب القتال يجعل العمليات العسكرية بطيئة ومكلفة وهشة سياسيًا. 

ويرى أن تجارب تاريخية متعاقبة، من الحملات العثمانية إلى التدخل المصري في ستينيات القرن الماضي ثم التحالف العسكري الذي بدأ عملياته عام 2015، أظهرت درسًا متكررًا مفاده بأن «القوة النارية لا تمسك بالأرض».

ويقسم الكاتب اليمن إلى ثلاث بيئات عملياتية مختلفة، لكل منها تحدياتها الخاصة. ففي المرتفعات الشمالية، ولا سيما صعدة وصنعاء وعمران، تعرقل المنحدرات الحادة والوديان الضيقة وقلة الطرق حركة القوات، فيما يستطيع المدافع استغلال كل مرتفع تقريبًا، بينما يواجه المهاجم خطر انقطاع خطوط الإمداد مع كل كيلومتر يتقدم فيه. ويشير إلى أن الحوثيين أضافوا إلى مزايا التضاريس الطبيعية أنفاقًا وحقول ألغام وقدرات للمراقبة.

أما منطقة تهامة المطلة على البحر الأحمر، فيصفها الكاتب بأنها سهل شديد الحرارة والرطوبة، ما يجعلها مرهقة للقوات المدرعة والمشاة. ويشير إلى أن السيطرة على الخط الساحلي، بما في ذلك محور المخا-ذوباب، لا تعني بالضرورة السيطرة على المدن والطرق المرتبطة بجبال تعز. وفي الشرق، تمتد بيئة مختلفة تشمل مأرب والجوف وحضرموت والمهرة، حيث الصحراء والمسافات الطويلة وقلة المياه، وهي عوامل قد تسمح بتقدم سريع، لكنها تجعل الاحتفاظ بالأراضي والسيطرة عليها تحديًا منفصلًا.

ويعتبر توكماك أوغلو أن المشكلة الأساسية في أي عملية عسكرية داخل اليمن ليست القتال وحده، بل الإمداد واللوجستيات. فقلة الطرق المعبدة وغياب المسارات البديلة يعنيان أن إغلاق ممر واحد يمكن أن يشل جبهة كاملة، بينما تمثل الموانئ، مثل عدن والمكلا والحديدة والمخا، شرايين حيوية للوقود والذخائر والغذاء. كما أن القوافل في المناطق الجبلية معرضة لهجمات الطائرات المسيرة والكمائن والألغام، في وقت لا تكفي فيه الموارد المحلية من الوقود والغذاء لتلبية احتياجات العمليات العسكرية.

ويرى الكاتب أن تجربة التحالف الذي قادته السعودية عام 2015 تؤكد هذه الصعوبة، إذ لم يكن التفوق الجوي كافيًا لتحويله إلى تقدم بري مستدام. كما يستشهد بمعركة الحديدة عام 2018، معتبرًا أن السيطرة على الميناء لم تكن تعني السيطرة على المدينة أو القدرة على إدارة التداعيات الإنسانية المترتبة على ذلك.

وفي تقييمه لتطور الحوثيين، يقول توكماك أوغلو إن الجماعة التي تواجهها القوى المناوئة لها في عام 2026 ليست هي نفسها التي كانت موجودة عام 2015. ويصفها بأنها تحولت إلى بنية شبه دولية، أو شبه دولة، تمتلك قيادة أكثر تماسكًا وشبكات أنفاق وحقول ألغام، إلى جانب صواريخ بالستية وصواريخ كروز وطائرات مسيرة انتحارية وقدرات لاستهداف السفن من الساحل. ويضيف أن اعتماد الجماعة على منشآت ومخازن ومنصات إطلاق مدمجة في مناطق مدنية يزيد صعوبة استهدافها.

وبحسب الكاتب، فإن التفوق الجوي يمكن أن يبطئ قدرات الحوثيين، لكنه لا يكفي لإنهاء التنظيم أو إجباره بالضرورة على تغيير سلوكه. ويستشهد بالعمليات الجوية الأمريكية خلال عامي 2024 و2025، معتبرًا أنها أظهرت أن تكلفة العمليات قد تكون مرتفعة في مقابل تأثير محدود على سلوك الجماعة. وفي المقابل، فإن تجميع قوات كبيرة وثابتة يجعلها هدفًا للصواريخ والطائرات المسيرة، بينما يؤدي انتشارها على نطاق واسع إلى إضعاف التنسيق والدعم الناري.

ويولي توكماك أوغلو أهمية خاصة لمشكلة «القوات الصديقة»، إذ يرى أن المعسكر المناوئ للحوثيين يفتقر إلى وحدة القيادة والقرار. ويشير إلى تعدد القوى، من مجلس القيادة الرئاسي والمقاومة الوطنية وقوات العمالقة وقوات درع الوطن وعناصر المجلس الانتقالي الجنوبي والقبائل، واختلاف الجهات الداعمة لها وأهدافها السياسية وسرعة تحركها. ويخلص إلى أن وجود عدد كبير من القوات في جبهة واحدة لا يعني بالضرورة وجود عملية عسكرية مشتركة، لأن غياب الوضوح بشأن القيادة والدعم الناري يمكن أن يؤدي إلى انهيار أي هجوم.

كما يرى الكاتب أن البعد القبلي والمديني والألغام يمثل عوامل حاسمة في تحديد مسار العمليات. ففي محافظات مثل مأرب والجوف والبيضاء، قد يؤدي التقدم من دون موافقة القبائل إلى تعريض خطوط الإمداد للخطر، بينما تتحول مدن مثل تعز إلى ساحات قتال شوارع تتطلب السيطرة على المنازل والمواقع واحدًا تلو الآخر. ويشير كذلك إلى أن إزالة الألغام شرط أساسي لتحويل المناطق التي جرى الاستيلاء عليها إلى قواعد آمنة، فيما يمكن لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب ومجموعات مسلحة محلية أن تستغل أي فراغ أمني. ولذلك، يؤكد أن السيطرة العسكرية على الأرض لا تضمن بالضرورة السيطرة السياسية عليها.

وفي ما يتعلق بالقوة الجوية والعمليات البحرية، يرى توكماك أوغلو أن الطيران يظل عنصرًا لا غنى عنه في اليمن، لكنه غير كافٍ لتحقيق الحسم. فالأهداف غالبًا ما تكون متفرقة ومدفونة وقريبة من المدنيين، ما يجعل أي ضربة غير دقيقة مصدرًا لخسائر مدنية وتراجع في الشرعية السياسية. كما أن التهديدات بالصواريخ والطائرات المسيرة تفرض على القواعد والمنشآت العسكرية وناقلات الوقود وأنظمة الرادار البقاء في حالة دفاع مستمرة.

أما البحر الأحمر، فيراه الكاتب ساحة أخرى شديدة التعقيد، إذ تتداخل فيها مخاطر الألغام والصواريخ الساحلية والقوارب الصغيرة. ويشير إلى أن السيطرة على جزر مثل بريم وحنيش تختلف عن ضمان استمرار حرية الملاحة في الممرات البحرية. كما يحذر من أن الحصار، رغم قدرته على تقليص إمدادات الحوثيين، قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تفاقم معاناة السكان المدنيين في الشمال، وبالتالي رفع الكلفة السياسية للعملية.

ويضيف الكاتب أن المناخ والصحة يشكلان عاملين إضافيين في إضعاف القوات وإطالة أمد العمليات. فالحرارة الشديدة في تهامة، والبرد ومشكلات التنفس في المناطق الجبلية، فضلًا عن انتشار أمراض وأوبئة، يمكن أن تقلل من جاهزية القوات. كما أن شح المياه يمثل تحديًا عسكريًا وإنسانيًا في آن واحد. ومن هنا، يرى أن افتراض تنفيذ «عملية قصيرة» في اليمن سبق أن فشل تاريخيًا، وأن عامل الزمن يميل في النهاية إلى مصلحة الطرف المدافع.

ويضع توكماك أوغلو هذه التحديات العسكرية ضمن سقف سياسي وقانوني أكثر تعقيدًا، مشيرًا إلى الأزمة الإنسانية الكبيرة التي يعيشها اليمن، والانقسام السياسي ومشكلة الاعتراف بالحكومات، فضلًا عن خطر التصعيد الإقليمي المرتبط بعلاقة الحوثيين بإيران. ويرى أن أي تحرك في باب المندب، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية، يمكن أن ينعكس سريعًا على أسعار النفط وتكاليف الشحن والتجارة العالمية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يرى الكاتب أن هدفًا من قبيل السيطرة على صنعاء قد يبدو واضحًا على الورق، لكنه يصعب تحويله إلى خطة عملية قابلة للتنفيذ، إذ ستبقى العمليات محصورة على الأرجح بين ضربات جوية وتحركات برية محدودة وتهديدات بحرية. ويعتبر أن الاحتلال الكامل لليمن لا يتناسب مع القدرات أو الاستعداد السياسي للسعودية أو الولايات المتحدة.

ويخلص توكماك أوغلو إلى أن الهدف الواقعي في مثل هذه البيئة ليس تحقيق «نصر نهائي»، وإنما فرض السيطرة على ممر أو ميناء أو خط لوقف إطلاق النار، أو رفع كلفة سلوك الخصم ودفعه إلى تغيير حساباته. ويرى أن الدرس الذي تكرر منذ عام 2015 وحتى عام 2026 هو أن القوة يمكن إظهارها في اليمن، لكن من الصعب تحويلها إلى سيطرة مستدامة على البلاد.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!