ترك برس

في صباح يوم الخميس العاشر من أيلول/سبتمبر، أدى الكاتب طه قلنج صلاة الفجر في الجامع الأموي بدمشق، ثم اصطحب رفيقيه في جولة إلى المناطق التي دمرتها الحرب. انطلقوا سيراً على الأقدام حتى وصلوا إلى قلعة دمشق، حيث استقبلهم السائق السوري محمد أمام تمثال صلاح الدين الأيوبي، وانطلقوا جنوباً مروراً بمقبرة الباب الصغير. 

وبعد نحو ربع ساعة، وصلوا إلى وجهتهم: مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، ذلك المكان الذي يحمل اسم معركة اليرموك التاريخية الشهيرة التي انتصر فيها الجيش الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد على البيزنطيين عام 636 ميلادية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

يروي قلنج في مقال نشرته صحيفة يني شفق أن المخيم أُنشئ تدريجياً منذ عام 1954 لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على مغادرة أراضيهم بعد قيام إسرائيل عام 1948. في البداية، توزع اللاجئون على أحياء دمشق مثل الشيخ محيي الدين وركن الدين والأمين والمزة، قبل أن يُجمعوا في هذه المنطقة الجنوبية القاحلة. وكان مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، أحد أبرز رموز المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، هو من أطلق اسم «اليرموك» على المخيم. 

ومع مرور السنوات، توالت موجات اللجوء: الفارون من المجازر في خمسينيات القرن الماضي، والنازحون بعد حرب الأيام الستة عام 1967، واللاجئون من الأردن بعد أحداث أيلول الأسود عام 1970، ثم القادمون من جنوب لبنان بعد الغزو الإسرائيلي عام 1982. وبحلول مطلع الألفية الثالثة، تجاوز عدد الفلسطينيين في المخيم 160 ألفاً، بينما بلغ إجمالي السكان مع الأحياء المجاورة نحو 1.2 مليون نسمة.

تحول المخيم مع الوقت إلى أحد أكثر المراكز الفلسطينية حيوية ونشاطاً في الشرق الأوسط، حتى إنه فاق في كثافته السكانية والأيديولوجية مخيمي صبرا وشاتيلا الشهيرين في بيروت. فقد احتضن مختلف الفصائل السياسية والعسكرية الفلسطينية، بما تحمله من أيديولوجيات وموسيقى وثقافة ومراكز اجتماعات ومساجد وأندية وجمعيات، إضافة إلى الصحف والمجلات والقيادات البارزة وتأثيرات الدول الداعمة لها، مباشرة أو غير مباشرة.

غير أن اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا عام 2011 غيّر مسار المخيم جذرياً. فقد حاولت منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل الأخرى الحفاظ على الحياد، إلا أن محاولة الجيش السوري السيطرة المباشرة على المخيم أفشلت هذا التوجه. ومع دخول الجيش السوري الحر والمجموعات المسلحة الأخرى، تحول اليرموك إلى ساحة حرب حقيقية. 

وخلال الحصار الذي فرضه نظام البعث بين عامي 2012 و2018، عاش السكان مآسي مرعبة: الموت جوعاً، والاضطرار إلى أكل لحوم القطط والكلاب للبقاء على قيد الحياة، وقنص المدنيين في الشوارع على يد القناصة، في مشاهد مأساوية لا تُنسى.

عندما دخل الكاتب ورفاقه المخيم، وجدوا مشهداً يشبه مدينة ضربها زلزال مدمر. غير أن بوادر الحياة كانت قد بدأت تعود بين الأنقاض: أطفال يذهبون إلى المدارس، ومحال ودكاكين ومخابز تفتح أبوابها في الأزقة. ويتوقف قلنج أمام هذه الصورة متأملاً قدرة الإنسان العجيبة على التشبث بالحياة ومواجهة الموت.

وفي الطرف الجنوبي من المخيم، وصلوا إلى مقبرة الشهداء، المدفن الذي دُفن فيه آلاف الفلسطينيين منذ خمسينيات القرن الماضي، وفي مقدمتهم قادة بارزون مثل خليل الوزير (أبو جهاد). وقد تعرضت المقبرة لقصف الطائرات الروسية مرات عدة، وما زالت شظايا شاهد قبر أبو جهاد مبعثرة عند رأسه، فيما تظهر فوهتان كبيرتان من آثار القصف في وسط المقبرة.

ويختم طه قلنج مشاهداته بالتأكيد على أن سوريا تشكل مسرحاً فريداً يمكن من خلاله قراءة كل مراحل التاريخ القريب للشرق الأوسط في آن واحد. فمن يركز نظره على تفاصيل الجامع الأموي إلى جانب هذه المشاهد المدمرة، سيدرك الكثير من الشيفرات الأساسية التي تحكم جغرافيا المنطقة وتاريخها المعاصر.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!