ترك برس

في عالم يقترب تعداد سكانه من تسعة مليارات نسمة، وتتقاطع فيه موجات الهجرة والأزمات الاقتصادية وتداعيات الثورات الصناعية وتغيرات المناخ، يبرز السؤال الجوهري حول كيفية إدارة المجتمعات وبناء نظام دولي قادر على حماية الكرامة الإنسانية. 

وفي هذه اللحظة التاريخية، يطرح مقال للكاتب غورسيل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية، في موقع «إندبندنت تركية» بمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية في 15 أيلول/سبتمبر 2026، رؤية عميقة تتجاوز الاحتفاء الشكلي بهذا اليوم. ف

المقال لا يكتفي بتذكير تقليدي، بل يدعو إلى إعادة النظر في الديمقراطية بوصفها أفقاً إنسانياً أساسياً، لا مجرد نظام سياسي أو خيار ظرفي يمكن التلاعب به.

يرى توكماك أوغلو أن الفرق بين الديمقراطية والأوتوقراطية لم يعد مجرد نقاش نظري حول شكل النظام، بل أصبح خطاً فاصلاً استراتيجياً يحدد توجهات القوى الكبرى، ويؤثر في الدورات الاقتصادية الكبرى، ويشكل أرضية للصراعات. فالصراع بين الأنظمة يفتح ميادين جديدة تبدو في الظاهر متعلقة بالأمن أو الطاقة أو التكنولوجيا أو التجارة، لكنها في جوهرها تدور حول كيفية إدارة الإنسان، وكيفية نقل الحقيقة، وكيفية بناء المجتمع لنفسه. 

ومن هنا يؤكد الكاتب أن تعميق فهم الديمقراطية وثقافتها ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل مدخلاً حقيقياً لحل كثير من مشكلات العالم، وفي مقدمتها النزاعات. فالديمقراطية ليست مراسم يوم الاقتراع، بل هي ترسخ القانون والضمير والمساءلة والعقل الجماعي في تفاصيل الحياة اليومية.

وينتقد الكاتب الرسالة التي تصدرها الأمم المتحدة في هذه المناسبة، معتبراً إياها تذكيراً ضعيفاً واحتفالاً روتينياً لا يرتقي إلى مستوى اللحظة. صحيح أن الأمين العام يذكر بأن الديمقراطية تتجاوز الانتخابات لتشمل حقوق الإنسان وسيادة القانون والمشاركة الحقيقية، ويدعو إلى تفضيل الحوار على الانقسام والتعاون على الصراع، ويشدد هذا العام على الديمقراطية التداولية، إلا أن هذه الكلمات تبقى في نظر الكاتب سطحية. 

فالعالم يمر بمرحلة قد تكون ثورية، تستدعي فتح صفحة جديدة في الأفق الإنساني، سواء في حل النزاعات بين البشر أو في مواجهة المخاوف الناشئة عن العلاقة بين الإنسان والآلة. والرسائل التهنئة العادية لا تحتمل هذا الثقل.

ويشدد توكماك أوغلو على ضرورة النظر إلى العالم نظرة عميقة تتجاوز المقطع الآني. فوجود الدول والتفاعل الدولي حقيقة قائمة، لكن اختزال المشهد الحالي في صورة جامدة يترك الصورة ناقصة. 

فالفروق التنموية بين الديمقراطيات والأوتوقراطيات مرتبطة بتجارب ثقافية متراكمة، وبدون استيعاب هذا التراكم يظل السياسي يبحث عن فرصة اللحظة فقط، ويختار مساراً ديمقراطياً أو أوتوقراطياً وفق حسابات آنية تنعكس قراءات مختلفة على النظام الدولي. ولهذا يجب ألا يُغطى هذا الفرق أو يُتجاهل.

ويدعو الكاتب إلى تسمية الاستغلال بأسمائه الصريحة. فهناك من يتحدث باسم الديمقراطية وهو يفرغها من مضمونها، ومن يتذرع بالقانون وهو يجعله أداة، ومن ينادي بالمشاركة وهو يحولها إلى مسرحية. وهذه الممارسات، شأنها شأن الأوتوقراطية الفجة، تصغر من شأن الإنسان. 

ولذلك كان ينتظر من الأمم المتحدة صوتاً أعلى وأكثر جرأة، لا مجرد رسالة سنوية، بل توجيهاً مبنياً على بحث عميق وتشخيص صادق يستند إلى التراكم التاريخي. ففي زمن تتزايد فيه النزاعات ويتآكل فيه الثقة ويضعف العقد الاجتماعي، لا يكفي القول إن «كل صوت يجب أن يُحسب»؛ فحساب الصوت لا يكتسب معناه إلا بارتباطه بالحقيقة والقانون والمسؤولية.

ويوجه توكماك أوغلو رسالة مباشرة إلى القادة والسياسيين: الديمقراطية ليست بنداً في قائمة خيارات، ولا أداة ظرفية للتغلب على الخصم. فمن يراها كذلك يحمل نظرة مختلفة جوهرياً إلى الإنسان، نظرة تنتج سياسات مختلفة ونتائج مختلفة. والأصل أن يُقبل ما يليق بالإنسان أولاً، ثم تُصاغ السياسات على أرضية مستقيمة لا خداع فيها ولا انحراف. 

فالسياسة اليوم أصبحت في كثير من المواضع أمراً عادياً ومسطحاً، والرؤى التي تُقدم كحلول سرعان ما تتبخر أمام النقد الأساسي. وحتى لو تُركت هذه الانتقادات جانباً، يبقى التحذير قائماً: على الأمم المتحدة أن تعمق تشخيصها وتوجه الإنسانية، وإلا بقي يوم الديمقراطية مجرد سطر في التقويم.

أما عن سبل تعميق الديمقراطية، فيقترح الكاتب ثلاثة مستويات مترابطة. المستوى الثقافي الذي يقوم على الضمير والبحث عن الحقيقة ورفض المسايرة والنضج السياسي، لأن الصندوق وحده ينتج نظاماً لكنه لا يربي إنساناً. والمستوى المؤسسي الذي يتطلب سيادة القانون واستقلال القضاء وإدارة خاضعة للمساءلة ومجالاً مدنياً حقيقياً.

والمستوى الدولي الذي لا يخفي صراع القوى بين الأنظمة، لكنه يرفض أن يجعل كرامة الإنسان مادة للمساومة. ويشير إلى أن آليات مثل الديمقراطية التداولية ومجالس المواطنين قد تكون أدوات مفيدة، لكنها لا تغني عن الأفق الإنساني الأشمل. كما يربط هذا الأفق بالتحديات الجديدة الناشئة عن العلاقة بين الإنسان والآلة؛ فالتكنولوجيا إن لم تُبنَ على ثقافة ديمقراطية تتحول إلى قوة بلا رقابة، والثقافة الديمقراطية إن لم تستوعب التكنولوجيا تتخلف عن العصر.

في الختام، يؤكد غورسيل توكماك أوغلو أن القضية ليست في الاحتفال بيوم 15 أيلول/سبتمبر، بل في أخذ الديمقراطية على محمل الجد بوصفها مادة أساسية للمثال الإنساني. وهذه الجدية لا تتحقق بالصخب الخطابي، بل بموقف يستوعب التراكم التاريخي، ويسمي الاستغلال بأسمائه، ويخرج الديمقراطية من قائمة الخيارات المتاحة. فالسياسة التي لا تقبل بما يليق بالإنسان، مهما بدت ماهرة، تذوب في مقطع الزمن، أما ما يبقى فهو تعميق الثقافة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!