
ترك برس
في مقال تحليلي نشرته صحيفة «ستار»، يرى الكاتب التركي ليفنت إرسين أوراللي أن بحر إيجة يمثل منطقة جيوسياسية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية ومناقشات السيادة والمخاوف الأمنية والقانون الدولي. ويؤكد أن أي خطوة عسكرية تُتخذ في هذه المنطقة يجب أن تُقيَّم ضمن الإطار القانوني الذي أرسته المعاهدات الدولية المبرمة في الماضي. وفي هذا السياق، يُعد سياسة اليونان في تسليح جزر إيجة قضية تستوجب اهتماماً خاصاً من جانب تركيا.
ويوضح أوراللي أن المسألة الأساسية لا تتعلق بوجود مخاوف أمنية لدى اليونان من عدمه، فلكل دولة الحق في الشعور بالقلق الأمني. غير أن هذه المخاوف لا يمكن أن تكون مبرراً لإلغاء التزامات صريحة قبلتها الدولة بموجب معاهدة دولية بشكل أحادي الجانب.
إلزامية المعاهدات في بحر إيجة
يشير الكاتب إلى أن المادة 13 من معاهدة لوزان للسلام حظرت إنشاء قواعد بحرية وتحصينات عسكرية في جزر ميديللي وساخيز وسيسام ونيكاريا، وفرضت قيوداً على القدرات العسكرية فيها. أما بالنسبة لجزيرتي ليمنوس وساموثراكي، فيجب تناول المسألة ضمن إطار اتفاقية المضائق الملحقة بلوزان. كما نظمت معاهدة باريس للسلام عام 1947 الوضع منزوع السلاح بشكل صريح بالنسبة لجزر الدوديكانيز التي نُقلت من إيطاليا إلى اليونان.
ويرى أوراللي أن السؤال الذي يجب طرحه اليوم يتجاوز مجرد «لماذا تنزعج تركيا من السياسات العسكرية اليونانية؟». فالسؤال الحقيقي هو: بأي مبرر يجري تسليح جزر أخضعها القانون الدولي لنظام خاص؟ ويعتبر الإجابة عن هذا السؤال مهمة أيضاً لمستقبل النظام الأمني الأوروبي.
ويؤكد أن الموقف التركي في هذا الصدد سلمي بامتياز. فالاعتراض على تسليح الجزر منزوعة السلاح لا يعني الرغبة في الحرب، بل يعني الحفاظ على الآليات القانونية التي تقلل من احتمالات اندلاعها.
من وضع الجزر إلى البنية الأمنية في إيجة
يحذر الكاتب من أن زيادة السلاح في بحر إيجة قد لا تؤدي إلى مزيد من الأمن، بل قد تغذي معضلة أمنية تزيد من انعدام الثقة المتبادل. فبينما يسعى طرف لتعزيز قدراته العسكرية ليشعر بمزيد من الأمان، يفسر الطرف الآخر ذلك تهديداً فيعزز قدراته بدوره، فتتحول عملية البحث عن الأمن إلى مصدر إضافي لانعدام الأمن.
ولهذا السبب وُجد القانون الدولي، برأي أوراللي. فالدول لا تمنح بعضها بعضاً الضمانات بالقوة فحسب، بل بالالتزامات التي قطعتها على نفسها أيضاً. وموقف تركيا في إيجة واضح تماماً: أحكام المعاهدات ملزمة للجميع.
ويشير إلى أن المناقشات القانونية المتعلقة بنظام مونترو لعام 1936، وخاصة بشأن ليمنوس وساموثراكي، تحتاج إلى معالجة منفصلة. غير أن ذلك لا يعني إمكانية تقييم الوضع العسكري لجميع جزر إيجة على الأرضية القانونية نفسها. فكل جزيرة يجب أن تُقيَّم وفق المعاهدة والحكم الذي تخضع له.
ويدعو الكاتب تركيا إلى تقديم حججها التاريخية والقانونية بصوت عالٍ لكن بهدوء واتزان. فالحق في أن تكون على صواب يكتمل بالقدرة على التعبير عنه بلغة قانونية سليمة، وهذا جزء من جدية الدولة.
من يُضعف بنية السلام؟
يلفت أوراللي الانتباه أيضاً إلى العلاقات العسكرية والاستراتيجية التي تطورها اليونان مع إسرائيل. ويقر بأن تعاون أثينا الدفاعي مع دول أخرى يقع ضمن نطاق سيادتها. غير أن تحول هذه التعاونات إلى جزء من بنية أمنية تهدف إلى تطويق تركيا وتغيير التوازن العسكري القائم في إيجة يثير تساؤلات جدية حول الاستقرار الإقليمي.
ويرى أن الرد التركي يجب أن يمر عبر القانون والدبلوماسية، لا عبر التصعيد العسكري. فقوة تركيا في بحر إيجة لا تقتصر على أسطولها أو قدراتها الدفاعية، بل تكمن أساساً في قدرتها على الجمع بين رصيدها التاريخي والقانون الدولي.
ويخلص إلى أن ما تحتاجه اليونان وتركيا ليس سباقاً عسكرياً جديداً، بل أرضية قانونية ودبلوماسية تعيد بناء الثقة المتبادلة. ورسالة تركيا في هذا السياق ليست تهديداً، بل دعوة إلى الالتزام بالقانون: احترام حقوق السيادة، والوفاء بالمعاهدات، والالتزام بالأوضاع العسكرية المقررة للجزر في بحر إيجة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










