ترك برس

يرى الكاتب التركي ليفنت إرسين أوراللي أن مشاركة الرئيس رجب طيب أردوغان في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بمدينة نيويورك تمثل فرصة لإيصال صوت الضمير العالمي، في ظل تصاعد الحروب والأزمات الإنسانية وتراجع الثقة بالنظام الدولي، مشيرًا إلى أن الرسائل التي ستطرحها تركيا بشأن غزة وفلسطين ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها مجرد تعبير عن موقف سياسي تركي، بل ضمن رؤية أوسع تقوم على الدبلوماسية والقانون والعدالة الإنسانية.

وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة ستار، تناول أوراللي أهمية انعقاد الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، ودور تركيا في جهود الوساطة الدولية، إلى جانب ما وصفه بالحاجة إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسات الدولية، مؤكدًا أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق بالقوة وحدها، بل يتطلب شجاعة السياسيين وصبر الدبلوماسيين وضمير المجتمعات.

الأمم المتحدة أمام اختبار الضمير الإنساني

استهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ستناقش اليوم الذاكرة المشتركة للبشرية، وضميرها المشترك، ومستقبلها المشترك، موضحًا أن الموضوع الرئيسي للدورة الـ81 يحمل دلالة بالغة الأهمية، وهو: «إعادة بناء الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق نتائج للجميع».

وأشار إلى أن الجمعية العامة، التي يشارك فيها ممثلو 193 دولة، تنعقد في مرحلة تتعمق فيها الحروب والتنافس الجيوسياسي والأزمات الإنسانية، إلى جانب تراجع الثقة بالنظام الدولي.

وأضاف أن جوهر المسألة يتمثل في حاجة العالم مجددًا إلى الثقة، معتبرًا أن هذا الاحتياج يشكل خلفية أساسية لفهم أهمية النقاشات التي تجري داخل الأمم المتحدة.

وأوضح أوراللي أن الأمم المتحدة، التي نشأت عام 1945 من بين أنقاض الحرب العالمية الثانية، أُسست بهدف منع البشرية من تكرار الكوارث ذاتها، مشيرًا إلى أن ميثاق الأمم المتحدة، الذي دخل حيز التنفيذ في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1945، كان يهدف إلى إحلال الدبلوماسية محل الحرب، والنظام القانوني محل سياسة القوة، والأمن المشترك محل الانتقام.

لكن الكاتب طرح تساؤلًا بشأن مدى نجاح المنظمة الدولية في تحقيق المثال الكبير الذي قامت من أجله، قائلًا إن النظر إلى قطاع غزة، حيث يُقتل الأطفال وتُستهدف المستشفيات ويكافح ملايين الأشخاص للوصول إلى الاحتياجات الإنسانية الأساسية، يثير سؤالًا حول قدرة الأمم المتحدة على الوفاء بمهمتها التاريخية.

وأكد أن عجز المجتمع الدولي في مواجهة ما يحدث في غزة لا يمثل مشكلة سياسية فحسب، بل يشكل أيضًا اختبارًا أخلاقيًا، مشيرًا إلى أن رسالة تركيا والرئيس أردوغان في نيويورك تكتسب أهميتها في هذا السياق.

رسالة سلام إلى العالم

أشار أوراللي إلى أن أردوغان سيلقي خطابه السادس عشر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، موضحًا أن غزة والاعتراف بفلسطين دولة، إلى جانب الخطوات التي يمكن اتخاذها دوليًا تجاه إسرائيل، ستكون في صدارة محاور الخطاب.

ورأى أن قراءة الخطاب باعتباره مجرد تعبير عن الموقف السياسي التركي لن تكون كافية، مؤكدًا أن أهمية الرسالة تتجاوز حدود الموقف الوطني إلى الدور الذي تسعى تركيا إلى الاضطلاع به في النظام الدولي.

وقال إن تركيا وضعت نفسها خلال السنوات الأخيرة في موقع الفاعل الدبلوماسي الذي يحاول جمع الأطراف حول طاولة واحدة.

وأوضح أن ما يُعرف بدبلوماسية السلام يتمثل في جمع طرفين لا يثقان ببعضهما إلى طاولة الحوار، أو فتح قنوات اتصال بين أطراف متحاربة، أو التحدث في الأوقات التي يلتزم فيها الجميع الصمت.

الدبلوماسية التركية ومساعي الوساطة

استعرض الكاتب عددًا من الأمثلة على جهود تركيا الدبلوماسية، مشيرًا إلى مبادرات الوساطة التي أطلقتها أنقرة في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، ومبادرة حبوب البحر الأسود، إلى جانب الاتصالات الدبلوماسية التي أجرتها في أزمات إقليمية مختلفة.

واعتبر أن هذه الجهود تمثل أمثلة على مساعي أنقرة لتقديم نفسها بوصفها طرفًا يسعى إلى التوفيق بين الأطراف، ويضع التفاوض في مقدمة أولوياته.

وأضاف أن الاعتراض الأساسي الذي يكرره أردوغان منذ سنوات على منبر الأمم المتحدة يتمثل في عبارته المعروفة: «العالم أكبر من خمسة».

الأمم المتحدة أمام ساعة الحقيقة

يرى أوراللي أن هذه العبارة ليست مجرد شعار دبلوماسي، بل تعبر عن اعتراض سياسي على النقاش المتعلق بآلية استخدام حق النقض داخل مجلس الأمن، وما تثيره من تساؤلات بشأن التمثيل والعدالة على المستوى العالمي.

وأشار إلى أن الهدف الذي طرحه رئيس الجمعية العامة الجديد للأمم المتحدة، خليل الرحمن، والمتمثل في «إعادة بناء الثقة»، يكتسب أهمية كبيرة في هذا الإطار.

وأوضح أن الرحمن يؤكد أن الثقة لا يمكن الاكتفاء بالمطالبة بها، بل يجب اكتسابها من خلال القرارات المتخذة والنتائج التي تتحقق على أرض الواقع.

وبحسب الكاتب، فإن إعادة بناء الثقة لا تصبح ممكنة إلا عبر إعادة إظهار العدالة بصورة واضحة، مشيرًا إلى أن القضية الفلسطينية تحمل ثقلًا رمزيًا كبيرًا في هذا السياق.

وقال إن القدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية تمثل بالنسبة إلى تركيا قضايا تتعلق بالتاريخ والقانون والإنسانية والضمير، مضيفًا أن من المتوقع أن يستند خطاب أردوغان بشأن غزة إلى هذا الفهم.

وأكد أوراللي أن العالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من خطاب الحرب، بل إلى مزيد من الدبلوماسية والقانون والإنسانية.

تذكير العالم المتحارب بلغة السلام

طرح الكاتب ما يراه دورًا واضحًا يمكن لتركيا أن تضطلع به، ويتمثل في تذكير العالم بقدسية حياة الإنسان، بغض النظر عن هوية المظلوم.

وقال إن رسالة تركيا ستكون قوية، مؤكدًا أن «العدالة ممكنة».

وأضاف أن التاريخ يعلمنا أن الحروب قد تبدأ بقرار من الجيوش، لكن السلام الدائم لا يُبنى إلا بشجاعة السياسيين وصبر الدبلوماسيين وضمير المجتمعات.

أردوغان وترجمة ضمير الإنسانية

اختتم أوراللي مقاله بالإشارة إلى أن الثقل الحقيقي للخطاب التاريخي لأردوغان سيظهر في هذه النقطة، موضحًا أن رئيس الدولة قد يجد نفسه أحيانًا مطالبًا بأن يكون مترجمًا لضمير الإنسانية، لا لضمير بلاده وحدها.

وقال إن العبارة التي ينبغي للعالم كله أن يسمعها اليوم في نيويورك ربما تكون: «السلام ليس رحمة الأقوى، بل حق مشترك للإنسانية».

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!