
ترك برس
في مقابلة أخيرة، دقّت أنغيلا ميركل، التي حكمت ألمانيا طوال ستة عشر عاماً، ناقوس الخطر بشدة ضد ما سمّته «الأوليغارشية الرقمية العالمية».
ويقرأ الصحفي صالح تونا، في مقال نشرته صحيفة صباح، هذه التصريحات بوصفها إشارة إلى حجم التهديد، مؤكداً أنها لا تتعلق بالحديث المألوف عن «الذكاء الاصطناعي الذي سيسلبنا وظائفنا»، بل تنبّه إلى مسألة وجودية تمس بقاء البشرية نفسها.
يرى تونا أن الشركات الرقمية العالمية لم تعد مجرد هياكل تجارية بريئة تقدّم لنا خدمات، بل تحوّلت إلى قوى مهيمنة من جيل جديد تفرض «واقعها» الخاص.
ويستذكر الكاتب أن الإعلام التقليدي كان في السابق يعرّضنا على الأقل للأخبار نفسها، فنختلف ونتجادل على أرضية مشتركة. أما اليوم فقد أصبحنا محاصرين داخل فقاعات الصدى التي تعدّها الخوارزميات خصيصاً لكل واحد منا، نعيش في عوالم افتراضية منفصلة.
ويلاحظ تونا أننا لم نعد نسأل «أي سياسة هي الصحيحة؟»، بل أصبح السؤال الوحيد: «أي واقع يبدو أكثر أناقة؟». وهكذا مات العقل المشترك داخل العالم الافتراضي الذي شيّده الإقطاعيون الرقميون، دون أن يجد من يندبه.
ويضيف الكاتب أن قوة هيمنة رأس المال العالمي لم تعد تقتصر على الأدوات التقليدية، بل انضمت إليها البيانات وأنظمة السحابة والذكاء الاصطناعي. فاستثمار شركات مثل ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت مبلغ 725 مليار دولار في مراكز البيانات وحدها ليس مجرد بند محاسبي عادي في الميزانية. وعندما تقول ميركل إن «ضعف رأس المال يثير أكبر مخاوفي»، فإنها تقصد بالضبط هذا الخطر.
ويوضّح تونا المسألة بصراحة: الدولة التي لا تملك بنيتها التحتية وأجهزتها وبياناتها الخاصة، لا فرصة لها في البقاء سيدة على قرارها. والأمر نفسه ينطبق على الأفراد؛ فمن يفقد القدرة على التفكير الحر لا يستطيع حتى أن يكون سيداً على نفسه. فالاختيار في مجتمع ديمقراطي لا يكون ممكناً إلا إذا حافظ الأفراد على ملكة المحاكمة الخاصة بهم.
ويختم الصحفي مقاله بالإشارة إلى مفارقة مريرة: نحن نتصور أننا نذهب إلى صناديق الاقتراع ونصوّت بإرادتنا الحرّة، بينما في الواقع من يبني بنيتنا الذهنية هو من يرسم حدود قراراتنا. والحديث عن الحرية في عصر تدير فيه وادي السيليكون عقولنا، هو أكثر النكات عبثية في التاريخ.. عبثية ومؤلمة في آن معاً.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











