ترك برس

يرى الكاتب التركي مليح ألتنوك أن صعود حزب "البديل لأجل ألمانيا" (AfD) في الانتخابات الألمانية الأخيرة لا ينبغي اختزاله في توصيفه بأنه عودة للنازية أو بداية صعود فاشي في البلاد، معتبرا أن هذه القراءة تتجاهل التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشهدها ألمانيا وأوروبا.

وفي مقال بصحيفة "صباح"، انتقد ألتنوك ما وصفه بتكرار وسائل إعلام تركية للخطاب الذي يربط نتائج الحزب بصعود النازية، مشيرا إلى أن هذا الموقف لا يقتصر على تيار سياسي معين، بل يمتد، بحسب رأيه، من الإسلاميين المعتدلين إلى اليساريين.

ويعتقد الكاتب أن نتائج الانتخابات الألمانية تشير، في المقابل، إلى أزمة النموذج السياسي والاقتصادي الذي تأسس في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ودخل مرحلة ازدهاره منذ تسعينيات القرن الماضي، أكثر مما تشير إلى عودة الفاشية.

التسلح الألماني في مواجهة اتهامات AfD

ويستند ألتنوك في تحليله إلى مفارقة يرى أنها تكشف، من وجهة نظره، خللا في توصيف صعود الحزب. فبينما يُشبَّه حزب البديل لأجل ألمانيا بالنازيين ويُتهم بأنه قد يقود ألمانيا إلى حرب جديدة إذا وصل إلى الحكم، فإن الحكومة الحالية هي التي تمضي، بحسب الكاتب، في زيادة الإنفاق العسكري وتسريع وتيرة التسلح.

ويشير إلى أن ألمانيا رفعت إنفاقها العسكري بنسبة 125 بالمئة خلال العام الماضي، لتصبح رابع أكبر دولة في العالم من حيث الإنفاق على التسلح.

ويرى الكاتب أن حزب AfD يطرح، في المقابل، وقف هذا المسار الذي يذكّر بمراحل عسكرة ألمانيا السابقة على الحربين العالميتين، وتوجيه الموارد نحو السياسات الاجتماعية.

كما يربط ألتنوك بين السياسات الألمانية تجاه الحرب الروسية الأوكرانية وبين الصعوبات الاقتصادية التي يعيشها المواطنون، معتبرا أن الشعب الألماني يدفع، من خلال أزمة الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج، ثمن السياسة التي اتبعتها الحكومة في مواجهة ما وصفه بـ"التهديد الروسي".

انتقاد الانخراط الألماني في المواجهة مع موسكو

ويشير الكاتب إلى أن قيادات حزب البديل لأجل ألمانيا تتعهد باتباع سياسات مستقلة عن الجناح الأوروبي في حلف شمال الأطلسي، ولا سيما بريطانيا، وإنهاء حالة الحرب الباردة مع موسكو.

ويقول إن الحزب يقدم ذلك باعتباره وسيلة لتجنب أزمات الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج والمعيشة في ألمانيا، متسائلا في الوقت نفسه عن سبب اعتبار الرغبة في إخراج ألمانيا من وضعية "قاعدة للبنتاغون"، في ظل وجود عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين فيها، ميلا إلى الفاشية.

ويرى ألتنوك كذلك أن إعادة النظر في سياسات الطاقة الألمانية لا تمثل موقفا حصريا لحزب AfD، مشيرا إلى أن الحكومات التي حكمت البلاد خلال السنوات الماضية هي التي بدأت خطوات العودة إلى الطاقة النووية وإعادة تشغيل بعض محطات الفحم، بعدما تعرض الحزب نفسه لانتقادات بسبب رفضه ما يسميه الكاتب "خطاب الطاقة الخضراء".

الإسلام والهجرة في الجدل حول الحزب

وينتقد الكاتب أيضا الاتهامات الموجهة إلى AfD بأنه حزب معاد للإسلام والأجانب، معتبرا أن سياسات الحكومة الألمانية نفسها تجاه المسلمين والمهاجرين تستحق المقارنة.

ويشير إلى تعامل السلطات الألمانية مع بعض الأئمة باعتبارهم "عملاء أتراكا"، معتبرا أن ذلك، إلى جانب سياسات بعض الدول الأوروبية الأخرى تجاه المسلمين، يجعل خطاب AfD أقل حدة مما يصوره منتقدوه.

كما ينتقد ما يعتبره تعامل الحكومة الألمانية مع اللاجئين السوريين وغيرهم باعتبارهم مصدرا للعمالة، وليس من منطلقات إنسانية، معتبرا أن سياسات اختيار المهاجرين وفق احتياجات سوق العمل تكشف، في رأيه، عن أولويات اقتصادية أكثر منها إنسانية.

وفي المقابل، يرى ألتنوك أن موقف AfD الإيجابي تجاه المواطنين الألمان من أصول تركية وتجاه تركيا يمثل، من وجهة نظره، جانبا يستحق الاهتمام، مشيرا إلى أن الحزب كان يرغب في زيارة جمهورية شمال قبرص التركية، لكن هذه الزيارة عرقلتها ضغوط من المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

الأسرة وقضايا الهوية

ويتناول الكاتب أيضا موقف الحزب من قضايا الأسرة واتفاقية إسطنبول وملفات الهوية الجنسية، معتبرا أن انتقاد موقف الحزب في هذا المجال بسبب كون رئيسة المشاركة فيه، أليس فايدل، مثلية الجنس، يمثل تناقضا.

وينقل عن فايدل موقفا مفاده أن المثلية الجنسية لا تمثل مشكلة بالنسبة إلى الأفراد، لكنها ترى في الوقت نفسه أن الدولة لا ينبغي أن تعمل على تشجيعها، ويعتبر ألتنوك أن هذا الموقف متسق مع رؤية الحزب.

"كل من يعارض العولمة يوصف بالفاشية"

ويضع الكاتب الجدل حول AfD في إطار أوسع، معتبرا أن القوى التي تعارض السياسات العالمية والعولمية باتت تُتهم بسهولة بالفاشية.

ويستشهد في هذا السياق برئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي يقول إنها تعرضت للاتهامات نفسها خلال الانتخابات، كما يرى أن الناخبين في فرنسا جرى تخويفهم من "شبح اليمين المتطرف"، الأمر الذي ساعد، بحسب رأيه، في استمرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في السلطة.

ويخلص ألتنوك إلى أن هذا الخطاب، الذي يصفه بأنه جزء من "الفاشية العالمية"، بدأ يفقد تأثيره، معتبرا أن الأزمات التي تفاقمت منذ جائحة كورونا كشفت تناقضات النموذج السياسي العالمي وأضعفت السردية التي كانت تهيمن على النقاش العام.

ويرى الكاتب أن الخلاف الحقيقي، من وجهة نظره، لا يتعلق فقط بصعود حزب AfD أو مستقبل السياسة الألمانية، بل بصراع أوسع بين تيار يدافع عن النظام السياسي والاقتصادي القائم والسياسات العالمية، وقوى شعبوية وقومية ترفض هذا المسار وتطالب بإعادة توجيه الأولويات نحو السيادة الوطنية والاقتصاد المحلي والسياسات الاجتماعية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!