
ترك برس
في تحليل نشره موقع «إندبندنت تركية»، يقدم المحلل الاستراتيجي التركي الدكتور عثمان غازي كاندمير، قراءة معمقة لطبيعة الحوثيين وقوتهم العسكرية، متجاوزاً الصورة النمطية التي تختزلهم في مجرد جماعة متمردة تعمل وكيلاً لإيران في اليمن. ويؤكد أن الدعم الإيراني حقيقي وكبير، إذ يقال إن مئات من ضباط الحرس الثوري موجودون في اليمن اليوم، لكن الحوثيين ليسوا امتداداً يتلقى الأوامر من طهران، بل شريك يحسب حساباته الخاصة. ويستدل على ذلك بأنهم انتظروا شهراً كاملاً على الهامش عندما ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في فبراير 2026، ولم يدخلوا الحرب إلا بإطلاق صواريخ على إسرائيل.
ويعود الكاتب إلى جذور هذه الشراكة، موضحاً أن الحوثيين يستندون إلى الزيدية، أحد فروع الشيعة، لكنها تختلف اختلافاً كبيراً عن الاثني عشرية الإيرانية، وتقترب في الفقه أكثر من الشافعية السنية في اليمن، حيث صلى الطرفان قروناً في المساجد نفسها. لذا فإن اختزال الأمر في صراع مذهبي أمر مضلل. فقد حكم أئمة زيدية من نسل علي شمال اليمن نحو ألف عام حتى ثورة 1962، وتنحدر قيادة الحوثيين من طبقة السادة الهاشميين المميزة في ذلك العهد. ومنذ الثمانينيات أثار تواجد الحركة السلفية المدعومة سعودياً في صعدة رد فعل هوياتي لدى الأوساط الزيدية. فجمع مؤسس الحركة حسين بدر الدين الحوثي هذا الرد مع لغة ثورية مستمدة من الثورة الإيرانية وحزب الله. وحولت حروب صعدة الست بين 2004 و2010 هذه الحركة الدينية والإقليمية إلى تنظيم مسلح. وبالتالي فإن الارتباط بإيران يقوم على تقارب أيديولوجي واستراتيجي أكثر مما يقوم على وحدة مذهبية.
ويشدد الكاتب على أن الحوثيين لم يعودوا حركة تمرد. فما نواجهه اليوم دولة غير معترف بها لكنها تعمل فعلياً. فقد سيطروا على صنعاء في سبتمبر 2014، وفشلت عملية التحالف بقيادة السعودية منذ مارس 2015 في استعادة العاصمة. أسسوا المجلس السياسي الأعلى في 2016 وشكلوا حكومة، ثم أزاحوا حليفهم السابق علي عبد الله صالح في ديسمبر 2017 ليصبحوا القوة الوحيدة في الشمال. ويديرون اليوم معظم سكان البلاد بما في ذلك صنعاء وصعدة والحديدة وإب وذمار، ولديهم نظامهم النقدي والجمركي الخاص، بينما تمثل الحكومة المعترف بها في عدن ائتلافاً جنوبياً مجزأً.
ولهذه الدولة جيشها أيضاً. ففي صنعاء وزارة دفاع وهيئة أركان عامة وقيادات مناطق عسكرية. وتقوم القوات البرية على ألوية الجيش اليمني السابق التي استولى عليها في 2014، بينما نُظمت قوات الصواريخ والمسيرات والدفاع البحري والساحلي والدفاع الجوي كقيادات منفصلة، وتدير وحدات الصناعة العسكرية إنتاج الصواريخ والمسيرات. والوجه العلني لهذا الجيش هو المتحدث باسم «القوات المسلحة اليمنية» اللواء يحيى سريع. وإلى جانب الجيش الرسمي تستمر لجان شعبية شكلت نواة الميليشيا التي زحفت على صنعاء، ووحدات تُجمع بالتعبئة القبلية. غير أن القرار لا يمر عبر السلسلة الرسمية. فهناك مشرفون مرتبطون مباشرة بعبد الملك الحوثي في كل وحدة وكل وزارة، وهم يقفون فعلياً فوق القادة. وتشبه هذه البنية ازدواجية الجيش والحرس الثوري في إيران، لكنها أكثر تداخلاً، حيث يؤدي الجيش القديم دور القشرة ويملأ كوادر الحركة داخله.
ويشير الكاتب إلى أن العنصر البشري كان الأسرع نمواً. فبحسب بيانات فريق خبراء الأمم المتحدة ارتفع عدد المقاتلين من نحو 30 ألفاً في 2015 إلى 220 ألفاً في 2022، ثم إلى حوالي 350 ألفاً بعد التعبئة العامة في 2024، شاملاً التعبئة القبلية والاحتياط. وتبقى الاستخبارات والقدرة التقنية والقرار الاستراتيجي في يد نواة زيدية موثوقة، بينما تتكون الطبقة الخارجية إلى حد كبير من شباب شافعيين جُمعوا قسراً من إب وريمة.
أما على صعيد التسليح، فتشير التقديرات إلى امتلاكهم بضع مئات من الصواريخ الباليستية، منها 100 إلى 200 بعيدة المدى. ويصل صاروخ «حاتم» المشتق من «خيبر شكان» الإيراني إلى مدى 1450 كيلومتراً ورأس حربي بوزن 500 كيلوغرام، بينما تبلغ مسيرات «صماد» و«قاصف» الانتحارية 2500 كيلومتر. ويضاف إليها صواريخ مضادة للسفن وقوارب مسيرة مفخخة ومسيرات FPV رخيصة تُركب بقطع صينية بنحو 1500 دولار. وقد أسقط الحوثيون 16 مسيرة أمريكية من طراز MQ-9 ريبر بين 2023 و2025، وأغرقوا سفينتين تجاريتين في يوليو 2025.
والبعد الأخطر هو الإنتاج. فقد أكد فريق الأمم المتحدة أن المعرفة الإنتاجية المحلية ما زالت قائمة رغم الأضرار الشديدة، وتجري عمليات التجميع والاختبار في منشآت تحت الأرض في صنعاء وصعدة. ويتم التوريد عبر طرق الداو الإيرانية ومعابر الحدود العمانية والقطع الصينية ذات الاستخدام المزدوج المشتراة عبر الإنترنت. وبحسب مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات يحققون نحو ملياري دولار سنوياً من تجارة النفط غير الشرعية.
وقد اختبرت هذه القوة قدرتها على الصمود. ففي 2025 شنت الولايات المتحدة أكثر من ألف غارة جوية، واغتالت إسرائيل في أغسطس رئيس وزراء حكومة الحوثيين أحمد الرحوي وعدة وزراء، وأُعلن في أكتوبر مقتل رئيس الأركان محمد الغماري واستُبدل بيوسف المدني قائد منطقة البحر الأحمر. ومع ذلك استعادت المنظمة عافيتها بفضل بنية القيادة الشبكية والمنشآت السرية في الجبال.
وتُظهر التطورات الأخيرة حجم هذا التعافي. فعندما قصفت السعودية مطار صنعاء في يوليو أنهى الحوثيون الهدنة وأعلنوا حصاراً بحرياً عليها، واستهدفوا ناقلات سعودية ومنشآت أرامكو في أغسطس. وفي 12 أغسطس قُتل ستة أشخاص في هجوم على سفينة شحن في باب المندب، وفي 24 أغسطس أصيبت ناقلة سعودية عملاقة قبالة ينبع. ثم سيطروا بين 3 و11 سبتمبر على المخا وزباب وحيس وجزر حنيش وجزيرة بريم التي تشطر باب المندب، ففقدت الحكومة المعترف بها آخر ميناء كبير لها على البحر الأحمر وانسحبت الجبهة ثلاثين كيلومتراً شمال المضيق. وتستمر هجمات الصواريخ والمسيرات على الطائف وينبع وخميس مشيط والرياض. وبذلك حول الحوثيون للمرة الأولى التهديد الصاروخي إلى سيطرة إقليمية وأصبحوا أصحاب الشاطئ الشرقي للمضيق.
غير أن السيطرة على المضيق ليست إغلاقاً له. فبحسب بيانات لويدز ليست عبر باب المندب في أغسطس بمعدل 273 سفينة أسبوعياً، أي أقل بنحو 15% فقط من مستوى ما قبل الحصار. ويطبق الحوثيون حصاراً انتقائياً يستهدف السفن المرتبطة بالسعودية. وتجعل الجزر المفتوحة والقواعد في جيبوتي المقابلة وخط الإمداد الأحادي الإغلاق المطلق أمراً صعباً ومكلفاً. ولهذا النموذج سابقة تاريخية: ففي حرب 1973 أوقفت البحرية المصرية السفن المتجهة إلى إسرائيل في باب المندب دون إغلاق المضيق، فحدّ الحصار الانتقائي من رد الفعل الدولي بينما أعاق تدفق النفط عبر إيلات بشكل ملموس. ويشبه ما يفعله الحوثيون اليوم تجاه السعودية هذا النموذج إلى حد بعيد.
وفي الختام يرى الكاتب أن هذا المشهد لم يعد شأناً جغرافياً بعيداً بالنسبة إلى تركيا. فقد اجتمع رؤساء أركان السعودية وباكستان وتركيا في الرياض في 25 سبتمبر في إطار ميثاق دفاعي، مما يطرح احتمال انجذاب أنقرة إلى هذه المعادلة. ومع المصالح التجارية التركية في البحر الأحمر والوجود العسكري في الصومال، ينبغي التعامل مع هذا الاحتمال بحساب بارد ومتأنٍ.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











