
ترك برس
في تحليل نشره موقع إندبندنت تركية، يؤكد المحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي كاندمير أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لم تنتهِ بعد، غير أن المرحلة الحالية لا تسمح لأي طرف بتحقيق نجاح يفرض إجماعاً تاماً. ويرى الكاتب أن الحرب، رغم عدم توقيع اتفاق رسمي، قد وصلت إلى طريق مسدود منذ أشهر وأصبحت عاجزة عن إنتاج نتائج حاسمة، لذا فإن ما يُكتب تحت عنوان «نهاية الحرب» سيبقى في الغالب صالحاً حتى لو أُعلن السلام بعد بضعة أشهر.
ويشدد كاندمير على أن الحروب لا تُقاس فقط بالنجاحات الميدانية، بل بالميزان الاستراتيجي الذي يظهر بعد صمت الأسلحة. ويوضح أن دولة ما قد تدمر بنى خصمها التحتية وتفرض تفوقاً جوياً وتُظهر قدراتها العسكرية، لكن إذا بقي التهديد الأساسي قائماً ولم تتحقق الأهداف السياسية، فإن الحصيلة تكون مختلفة تماماً.
ويشير الكاتب إلى أن العملية التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في فبراير 2026 تمثل مثالاً بارزاً في هذا السياق. ويعترف بأن إسرائيل حققت إنجازات عسكرية مهمة، إذ فرضت مع الولايات المتحدة تفوقاً في المجال الجوي الإيراني، ولم تفقد مقاتلة واحدة سواء في حرب الـ12 يوماً عام 2025 أو في هذا الصراع الأطول. كما برزت قدرة الموساد على التسلل إلى أوساط القيادة في طهران، وأُلحقت ضربات قاسية بقدرة إيران على إنتاج الصواريخ الباليستية وببعض عناصر برنامجها النووي.
غير أن كاندمير يتساءل: هل يعني كل ذلك تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب؟ ويجيب بأن الخسارة الحقيقية لإسرائيل في نهاية هذه الحرب ليست قدرتها العسكرية، بل بعض الافتراضات المتعلقة بقدرة هذه القوة على إنتاج نتائج استراتيجية.
ويؤكد الكاتب أن إسرائيل دخلت الحرب بافتراض أساسي مفاده إمكانية تغيير النظام في إيران بدعم أمريكي، إلا أن هذا الرهان لم يؤتِ ثماره. فقد صمد النظام الإسلامي، وبقي تغييره احتمالاً بعيداً، وأثبتت طهران قدرتها على الرد رغم الضربات الثقيلة وعلى ممارسة ضغط على إسرائيل وعلى فاعلين آخرين في المنطقة. ويرى أن المشكلة الجوهرية تكمن في اختلاف الأهداف بين واشنطن والقدس: فإيران تمثل لإسرائيل التهديد الأمني الأبرز، بينما هي بالنسبة لأمريكا منافس مهم لكنه ليس المحور الوحيد الذي يحدد استراتيجيتها في الشرق الأوسط، فضلاً عن وجود عزوف أمريكي عن حرب طويلة الأمد في المنطقة.
وينتقل كاندمير إلى ما يسميه «مفارقة الردع»، معتبراً أنها ربما تكون النتيجة الأهم بالنسبة لإسرائيل. فالردع يعتمد في جوهره على التهديد قبل استخدام القوة، لكن عندما يُستخدم التهديد ويصمد الخصم أمام هجوم ثقيل، يتغير الوضع. وقد فعلت إيران ذلك تماماً: ظهرت قدرة إسرائيل العسكرية بوضوح، لكن إيران صمدت وأظهرت أنه لا يمكن إجبارها على تغيير سلوكها. ويحذر الكاتب من أن هذا الوضع يحمل خطر إضعاف الردع الإسرائيلي تجاه إيران، إذ أصبح السؤال لم يعد حول قدرة إسرائيل على ضرب إيران، بل حول كفاية هذه القدرة لإجبارها على تغيير سلوكها.
ويلفت كاندمير إلى أن إيران أظهرت خلال الحرب امتلاكها أدوات قادرة على إحداث نتائج اقتصادية إقليمية وعالمية دون اللجوء إلى السلاح النووي، مثل الإغلاق الانتقائي لمضيق هرمز والهجمات على بنى الطاقة في دول الخليج، مما تجاوز الصراع العسكري المباشر. وهكذا عادت الجغرافيا لتفرض وزنها في مواجهة التكنولوجيا، مانحة طهران رافعة استراتيجية مختلفة.
كما يرى الكاتب أن إسرائيل خسرت زخماً مهماً في مسار الاندماج الإقليمي. فقبل السابع من أكتوبر 2023 كان التطبيع مع السعودية يبدو متقدماً، لكن حرب إيران جعلت هذا الحساب أكثر تعقيداً، بعد أن عاشت دول الخليج نتائج مباشرة للحرب وتهديدات لبنية الطاقة واضطرابات اقتصادية. ورغم استمرار التعاون الأمني مع بعض الدول مثل الإمارات، فإن افتراض أن كل دول الخليج ستسير في الخط الاستراتيجي نفسه مع إسرائيل أصبح أصعب.
ويبرز كاندمير حقيقة أخرى أظهرتها الحرب، وهي ازدياد وضوح الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة. فالدعم العسكري والسياسي الأمريكي ضروري للعمليات الطويلة، غير أن رغبة واشنطن في استمرار الحرب لا تتطابق مع تصور إسرائيل لمواجهة طويلة الأمد مع إيران. ويشير إلى أن التعاون الوثيق بين إدارتي ترامب ونتنياهو يغطي هذا التوتر حالياً، لكنه لم يُلغَ.
ويستحضر الكاتب أزمة السويس عام 1956 ليطرح سؤالاً مشابهاً: هل يمكن للنجاح العسكري أن يتحول إلى هدف سياسي دائم؟ فقد حققت إسرائيل آنذاك نجاحاً ميدانياً لكنها اضطرت للانسحاب تحت الضغط الأمريكي. واليوم، رغم اختلاف الظروف، يبقى السؤال قائماً: هل تكفي القدرة العسكرية الميدانية لخلق النظام الإقليمي الذي تريده إسرائيل؟ والجواب، بحسب كاندمير، لم يعد واضحاً كما كان.
ويخلص الكاتب إلى أن الحرب لم تنتج نتيجة استراتيجية مريحة لإسرائيل. فقد تلقت إيران ضربات قاسية لكنها صمدت، واحتفظت إسرائيل بتفوقها العسكري لكنها لم تُزل التهديد الإيراني، واستمرت الولايات المتحدة شريكاً استراتيجياً رئيسياً لكن شكوكاً تزايدت حول التزامها بحرب إقليمية طويلة. كما أن دول الخليج تواصل التعاون الأمني مع إسرائيل لكنها تشعر بالحاجة إلى إعادة موازنة علاقاتها مع إيران.
ويؤكد كاندمير أن الصورة النهائية ليست حرباً كاملة ولا سلاماً دائماً. ويواجه إسرائيل الآن خياراً استراتيجياً أصعب: تقليل عدد الجبهات النشطة، وإعادة حساب تكلفة الانخراط العسكري الطويل، وإيلاء وزن أكبر للخيارات الدبلوماسية. فهذه الحرب أظهرت قوة إسرائيل، لكنها أظهرت أيضاً حدود هذه القوة. والخسارة الحقيقية ليست التفوق العسكري، بل الاعتقاد بأن هذا التفوق وحده كافٍ لإنتاج نتائج استراتيجية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











