
ترك برس
في قلب منطقة إيجة التركية، تبرز مدينة دنيزلي كثاني أكبر مدن المنطقة، حيث تمتزج الطبيعة الخلابة مع تاريخ يمتد لآلاف السنين. تبدأ قصة هذه المدينة العريقة حوالي عامي 261-253 قبل الميلاد، عندما أسس الملك أنطيوخوس الثاني مدينة لاوديكيا وأطلق عليها اسم زوجته لاوديكي وفق إحدى الروايات.
دمرت المدينة في زلزال كبير خلال القرن السابع الميلادي، ثم أُعيد بناؤها في المنطقة المعروفة اليوم بكاليه إتشي. ومع دخول الحكم التركي عام 1070، أصبحت تُعرف باسم «لاديك» في العهد السلجوقي.
هذا التاريخ الغني جعل دنيزلي موطناً لآثار حضارات متعددة، من الهيلينيسي والروماني إلى البيزنطي والعثماني. إليكم خمسة أماكن لا غنى عن زيارتها لاستكشاف روح هذه المدينة الفريدة.
تُعد مدينة هييرا بوليس الأثرية، الواقعة ضمن حدود باموكالي، من أبرز الوجهات العالمية، وهي مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1988. تأسست في القرن الثاني قبل الميلاد على يد الملك يومينيس الثاني من برغاما، وحملت اسم هييرا زوجة تليفوس.
بفضل موقعها في منطقة زلزالية، تعود معظم الهياكل الباقية إلى ما بعد زلزال عام 60 ميلادي. يزور السائح هنا المسرح العتيق الذي يبلغ عمره نحو 1800 عام، ومارتيريون القديس فيليبوس رمز الخلود، وبوابة الجحيم (بلوتونيوم) أحد أشهر المعابد في آسيا الصغرى، حيث كانت الغازات السامة تخرج من كهف مرتبط بالإله بلوتو. إلى جانب الينابيع الحارة والمدرجات الكلسية البيضاء الشهيرة في باموكالي.
بجانب الأطلال، يستقبل متحف هييرا بوليس للآثار الزوار داخل حمام روماني عتيق تم ترميمه وتحويله إلى متحف. يتكون من ثلاث قاعات رئيسية: قاعة التوابيت والتماثيل التي تعرض لقى من هييرا بوليس ولاوديكيا، وقاعة القطع الصغيرة التي تسرد تاريخ المنطقة زمنياً من العصر الهيلينيسي إلى العثماني، وقاعة مكتشفات المسرح التي تضم نقوشاً أسطورية كانت تزين مبنى المسرح. رحلة داخل المتحف تأخذ الزائر في جولة ممتعة عبر العصور.
أما مدينة تريبوليس الأثرية، فيُعتقد أن تأسيسها يعود إلى دولة ليديا، وكانت تُعرف أولاً باسم أبولونيا. رغم أصولها اللادية، فإن البقايا الظاهرة تعكس الطابع الروماني والبيزنطي. يمكن للزائر مشاهدة المسرح العتيق على الطراز الروماني، والحمام، ومبنى المدينة، والقلعة والأسوار، وقنوات المياه، والمقبرة (النيكروبوليس). تقع المدينة في قضاء بولدان، وتكشف الحفريات المستمرة عن شوارع معمدة ونافورات ضخمة وساحات عامة تعكس ازدهارها في العصر الروماني.
في قلب المدينة الحديثة، يقف بيت أتاتورك ومتحف الإثنوغرافيا شاهداً على التاريخ الحديث. أقام مصطفى كمال أتاتورك في هذا المنزل خلال زيارته لدنيزلي في 4 فبراير 1931. بعد استخدامه كمستوصف لمكافحة السل، رُمم وفُتح كمتحف عام 1984 بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد أتاتورك. يعرض الطابق الأرضي قطعاً إثنوغرافية تعبر عن ثقافة دنيزلي، بينما يضم الطابق العلوي مقتنيات خاصة بأتاتورك وغرفاً مُرتبة على طراز المنازل التقليدية. زيارة هذا المكان تمنح فهماً أعمق لهوية المدينة وتراثها الشعبي.
وأخيراً، تكتمل الرحلة في مدينة لاوديكيا الأثرية، التي تأسست بين عامي 261-253 ق.م على يد أنطيوخوس الثاني وحملت اسم زوجته. تكشف الحفريات عن استيطان متواصل منذ العصر الكالكوليتي المبكر حتى القرن السابع الميلادي.
من أبرز معالمها أكبر ملعب في الأناضول، ومسرحان، وأربعة مجمعات حمامات، وخمس ساحات أغورا، وخمس نوافير ضخمة (نيمفايوم)، وبوابتان رئيسيتان، ومبنى المجلس، والمعابد والكنائس، والشارع السوري الضخم.
وتحيط بالمدينة مقبرة واسعة من جميع الجهات. تُعد لاوديكيا أيضاً إحدى الكنائس السبع المذكورة في سفر الرؤيا، وهي مدرجة على القائمة المؤقتة لليونسكو.
هذه المواقع الخمسة تجسد روح دنيزلي: مزيج ساحر من التاريخ العريق والطبيعة الخلابة والثقافة الحية، يدعو كل زائر إلى رحلة لا تُنسى عبر صفحات الحضارة في قلب إيجة التركية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











