
ترك برس
تناول مقال للكاتب والباحث علي باكير، في صحيفة "عربي21"، صفقة اليونان البالغة قيمتها 3.5 مليارات دولار لشراء منظومة دفاع جوي إسرائيلية متعددة الطبقات تحمل اسم «درع أخيل»، وما يمكن أن تتركه من تداعيات على التوازن العسكري والتوتر القائم بين أثينا وأنقرة في بحر إيجة.
يستعرض الكاتب مكونات المنظومة وخطط نشرها، ولا سيما في الجزر القريبة من الساحل التركي، قبل أن يناقش محدودية فاعلية الأنظمة الدفاعية أمام الهجمات المكثفة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ومخاطر عسكرة الجزر والحسابات الخاطئة، فضلاً عن الدور الإسرائيلي المتنامي في المعادلة الأمنية بين اليونان وتركيا.
وفيما يلي نص المقال:
في 31 أغسطس 2026، وقعت اليونان مع إسرائيل اتفاقية لشراء منظومة دفاع جوي متعدد الطبقات أسمته نظام "درع أخيل". وبلغت قيمة الصفقة هذه حوالي 3.5 مليار دولار. ومن المنتظر ان يتم تسليم المكونات على مراحل على أن يكون النظام جاهزاً من الناحية التشغيلية بشكل كامل بحلول منتصف عام 2029.
ويتكون النظام من طبقات متعددة تشمل نظام "مقلاع داود" من شركة "رافائيل" للطبقة العليا والمتوسطة إلى بعيدة المدى، ونظام "باراك إم إكس" من شركة "صناعات الفضاء الإسرائيلية" (IAI) ليكون العمود الفقري للطبقة المتوسطة (ويستخدم أنواعاً متعددة من الصواريخ الاعتراضية، بمدى يتراوح تقريباً بين 35 و150 كيلومتراً)، وأخيراً نظام "سبايدر" من شركة "رافائيل" لتغطية النطاقات الأقصر، بما في ذلك عمليات النشر في الجزر. كما وتتضمن الصفقة رادارات متعددة المهام من شركة "إلتا"، وستهدف الصفقة إلى دمج أنظمة "باتريوت" اليونانية الحالية والطائرات المسيرة مع أنظمة الاعتراض الإسرائيلية الجديدة.
في تبرير هذه الصفقة، تتمحور اللغة الرسمية المستخدمة حول الدفاع عن الأراضي اليونانية. وقد كان وزير الدفاع نيكوس ديندياس أكثر صراحة بشأن الغرض من النظام؛ إذ جادل بأن الدفاع عن بحر إيجة لم يعد ينبغي أن يعتمد في المقام الأول على السفن والطائرات المقاتلة باهظة الثمن المتمركزة في حيز بحري ضيق. من شأن نشر المدفعية الصاروخية وأنظمة الدفاع الجوي على الجزر أن "يُحكِم إغلاق" المجالين البحري والجوي انطلاقاً من اليابسة، مما يتيح للقوات البحرية والجوية حرية العمل في مناطق أبعد.
يعتبر هذا الاتفاق الأكبر في تاريخ الصناعات الدفاعية الإسرائيلية وهو يندرج ضمن خطة إنفاق أوسع تبلغ قيمتها حوالي 28 مليار يورو بحلول عام 2036 (وتشمل طائرات "إف-35"، وفرقاطات إضافية، وصواريخ، وغيرها). وقد حُدِّدت تركيا باعتبارها المستهدف الأساسي من هذا الاتفاق سيما وأنّه يعزز المثلث الأمني الذي يجمع اليونان وقبرص وإسرائيل، وهو تحالف تعتبره أنقرة معادياً لها.
تعتبر تركيا نشر المزيد من الصواريخ والرادارات على جزر شرق بحر إيجة تحدياً للوضع القانوني القاضي بنزع السلاح في تلك الجزر، وهو وضع تؤكد تركيا أحقيتها فيه استناداً إلى معاهدتي لوزان (1923) وباريس (1947). وعقب توقيع الصفقة، حذّر أردوغان اليونان من مغبة عسكرة الجزر، مستحضراً التاريخ ومؤكداً مجدداً أن تركيا لن تسمح بانتهاك حقوقها. وقد صوّرت وسائل إعلام ومسؤولون أتراك الصفقة على أنها عمل استفزازي، وانحياز "صهيوني"، وسبب يستدعي مراجعة الخطط العملياتية.
وتزيد هذه الصفقة اليونانية مع إسرائيل من حدو التوتر مع تركيا كما انّها تعزز من إمكانية حصول خطأ في حسابات الاطراف المنخرطة. إنّ تسمية النظام باسم درع أخيل يُرسّخ أسطورة تتجاوز قدرة النظام الدفاعي على تحمّلها. فالنظام لا يحمي اليونان في أي حرب حقيقية، وافتراض أنّه يقوض كل الهجمات فضلا عن معظمها يخلق حالة من الوهم قد تؤثر سلبا على التقييمات السياسية لليونان. و بمجرد أن تتمركز البطاريات والرادارات على جزر تبعد بضعة عشرات من الكيلومترات عن الساحل التركي، تصبح سبباً وجيهاً وسهلاً لاستهدافها نظراً لمواقعها الثابتة والمعروفة سلفاً من بين أمور أخرى.
مهما بلغت قدرة النظام فهي تبقى محدودة في نهاية المطاف بالنظر الى عوامل كثيرة من بينها موقع اليونان الجغرافي والمواقع التي يتم نشر البطاريات والأنظمة فيها. تقع العديد من الجزر ضمن نطاق المدفعية والصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة والقوات الخاصة التركية. يُقاس العمق الاستراتيجي هنا بالثواني، لا بالساعات، وهو ما يصعب مهمة الاعتراض. فضلا عن ذلك، فانّ نشر البطاريات على الجزر يعني مواقع ثابتة بالقرب من تركيا، ومعدات ستكون بحاجة الى خطوط امداد من البر اليوناني البعيد وهو ما سيقوض من وضع أثينا.
لا يحتاج المهاجم الذي يجمع بين الطائرات المسيّرة الرخيصة وصواريخ كروز والقذائف الباليستية والهجمات الإلكترونية إلى اختراق كل طبقة على الورق. يحتاج إلى خلق مشاكل متزامنة أكثر مما تستطيع القيادة والسيطرة والمخزون التعامل معه. وعليه، فان الرد التركي المنطقي على شبكة اعتراضية باهظة الثمن ليس بمضاهاتها، بل بإجبار اليونان على إنفاق المزيد من المليارات على محاولات التصدي المحتملة لمسيّرات رخيصة نسبياً، وشراك خداعية، وصواريخ منخفضة التكلفة حتى نفاد الذخيرة. لقد واجهت أنظمة إسرائيل متعددة الطبقات محاولات التشبع الهجومي وثبت أنّها لا تستطيع التصدي لمعظم الضربات. أما في الحالة اليونانية، فالوضع العسكري أضعف والوضع الجغرافي أسوأ بكثير.
استخدام أنظمة القيادة والسيطرة والتحكم المدعومة بالذكاء الاصطناعي فوق بحر إيجة المزدحم ـ رحلات سياحية، وعبّارات، وقوارب صيد، ومسارات تابعة لحلف الناتو، وطائرات مسيّرة، الخ ـ يزيد من احتمالية وقوع خطأ مأساوي أو ذي تداعيات سياسية خطيرة لم تكن أيٌّ من الحكومتين قد خططت لها. كما أنّ اعتماد النظام بالكامل على إسرائيل التي لن تسلم مفاتيح النظام لليونان سيدخل إسرائيل كلاعب عملياتي في بحر ايجه ويشجع على حصول أخطاء مقصودة او غير مقصودة تؤدي الى اندلاع حرب بين تركيا واليونان بشرارة إسرائيلية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











