
ترك برس
ضبطت الجمارك التركية 67 ثعبانًا حيًا من نوع «البايثون الملكي» مخبأة داخل جوارب عند معبر كابي كوله الحدودي بولاية أدرنة، في واقعة كشفت جانبًا من تجارة الزواحف التي قد تتجاوز قيمة الشحنة المضبوطة فيها مليون ليرة تركية.
وبعد أن تمكن موظفو الجمارك عند معبر "كابي كوله" الحدودي في ولاية أدرنة شمال غربي تركيا من ضبط شحنة كانت تتضمن 67 ثعبانا من نوع بايثون حيا مخبأة داخل جوارب، كان الموظفون يتعاملون بأريحية مع تلك المضبوطات، ويستخرجون واحدا تلو الآخر من الجوارب، وكأن الذي بين أيديهم ليس ثعبانا.
وأثار هذا المشهد دهشة كل من يشاهده، لكنه في الحقيقة يعكس واحدة من أهم صفات نوع من ثعابين البايثون المفضلة لدى هواة الزواحف، والتي ظهرت في الصورة، وهي "البايثون الملكي" أو ما يعرف بـ"ثعبان الكرة".
ويقول الناشط المصري في مجال الحياة البرية محمد وجيه -للجزيرة نت- إن "هذا النوع يتميز بطبيعته الخجولة وهدوئه الشديد، فهو لا يندفع بالهجوم عندما يشعر بالتهديد أو الخوف، بل تكون وسيلته للدفاع هي الانكماش والالتفاف حول نفسه على شكل كرة محكمة حماية لرأسه، ومن هنا جاءت تسميته بـ(ثعبان الكرة)".
وبالإضافة لهذه السمة السلوكية، فإن هناك سمات شكلية محببة لدى هواة الزواحف يعددها محمد، منها أنه ثعبان قصير نسبيا، مقارنة بأنواع البايثون الأخرى، إذ يتراوح طوله عادة بين 90 و150 سنتيمترا للإناث، وبالتالي لا يحتاج إيواؤه إلى أحواض عملاقة أو معقدة للغاية مقارنة بالثعابين الضخمة، ويتيح ذلك سهولة نقله من مكان إلى آخر، كما أنه يتميز بحركة بطيئة تجعل التعامل معه سهلا، بحيث يمكن ترويضه ليعتاد عليه البشر.
والسمة الأبرز، هي التنوع المذهل في الألوان والجينات، حيث تمتلك هذه الثعابين قدرة استثنائية على إنتاج طفرات جينية لا تصدق في الألوان والنقوش، مما جعلها هواية ممتعة للمربين المهتمين بإنتاج أشكال نادرة وجميلة.
وفوق كل ذلك، تتمتع بميزة "العمر الطويل"، حيث يمكن أن تعيش في الأسر عندما تتوفر الرعاية الملائمة لها، ما بين 20 و30 عاما، مما يجعلها رفيقة طويلة الأمد لمن يهتم بتربيتها، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت".
صفقة بأكثر من مليون ليرة
ولاجتماع كل هذه الصفات في ثعبان البايثون الملكي فإن أسعاره تتراوح، وفق منصات بيع الزواحف في تركيا بين 13 و19 ألف ليرة للثعبان، وهو ما يعني أن صفقة الـ67 ثعبانا التي أحبطتها الجمارك التركية، كانت تصل قيمتها إلى مبلغ يتراوح بين 871 ألفا و1.27 مليون ليرة.
ووفق أسعار الحيوانات في سوق الزواحف، فإن هذه القيمة توصف بأنها مرتفعة، لذلك لم يكن غريبا أن تكشف دراسة علمية حللت بيانات التجارة الدولية للثعابين المدرجة في اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض (سايتس)، أن ثعابين البايثون استحوذت على 38.8% من إجمالي الثعابين المتداولة، لتتصدر التجارة العالمية لهذه الحيوانات.
وكان البايثون الشبكي والملكي والبورمي من أبرز الأنواع المتداولة، لكن النوعين الشبكي والبورمي برزا خصوصا في تجارة الجلود، بينما ارتبط الملكي بدرجة كبيرة بتجارة الحيوانات الحية.
من البرية إلى المزارع التجارية
وينتمي البايثون الملكي إلى ثعابين غرب ووسط أفريقيا، ويمتد نطاق انتشاره من السنغال وسيراليون إلى مناطق من السودان وأوغندا.
وتصنفه القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ضمن فئة "أقل قلقا"، مستفيدا من اتساع نطاق انتشاره وقدرته على التكاثر، لكن هذا التصنيف لا يعني أن جميع تجمعاته المحلية مستقرة أو أن جمعه من البرية لا يشكل خطرا عليها.
وتلفت دراسة قدمت إلى الاجتماع الـ28 للجنة الحيوانات التابعة لاتفاقية "سايتس" عام 2015 إلى أن التجارة الدولية لهذا النوع تشمل مئات الآلاف من الأفراد سنويا، مما يجعل البايثون الملكي من أبرز أنواع الثعابين الأفريقية المتداولة حية في سوق الحيوانات الأليفة.
وتوضح بيانات التجارة التي حللتها الدراسة أن الأفراد المصدرة سُجلت تحت 3 رموز لمصدرها: التربية في الأسر، والتربية في المزارع المعتمدة على جمع الأفراد من البرية، والأفراد المأخوذة مباشرة من البرية.
وبحسب البيانات الواردة في الدراسة، سُجل نحو 93.5% من الأفراد تحت رمز التربية القائمة على المزارع، مقابل 6% مأخوذة من البرية مباشرة، و0.5% مولودة في الأسر، وفق تعريفات اتفاقية "سايتس".
ولا تعني "التربية في المزارع" ميلاد الثعابين وتكاثرها بالأسر، إذ قد تعتمد على جمع بيض الثعابين أو الصغار من البرية، ثم تربيتها في منشآت قبل تصديرها.
وتشير الدراسة إلى أن هذه التجارة يمكن ضبطها بما يحقق مصلحة الصيادين دون الإضرار بالبيئة، إذا أُديرت وفق ضوابط علمية، لكنها تحذر من عشوائية لا تزال قائمة، وربما تتزايد، بما يزيد من الخطر.
ولا يرتبط الخطر بحجم التجارة وحده، بل يرتبط أيضا بطريقة جمع الثعابين من البرية، فوفقا للدراسة، قد تؤدي بعض طرق الجمع إلى إتلاف الأعشاش، كما تركز عمليات الجمع على مراحل عمرية حساسة، تشمل حديثي الفقس والإناث الحوامل.
ويؤدي استهداف هذه الفئات إلى تقليل عدد الثعابين التي تصل لمرحلة التكاثر، بما يؤثر في قدرة التجمعات المحلية على تعويض الأعداد التي تُجمع من البرية.
صيد مستمر بدون تعويض
وكشفت دراسة أجريت في بنين عن هذا الخطر، إذ أقر 21 صيادا للثعابين أنهم يصطادون ما يصل إلى 5083 ثعبانا سنويا، وهو ما قد يضعف التجمعات المحلية إذا تجاوزت معدلات الصيد قدرتها على تعويض الأفراد المفقودة بالتكاثر.
ووفق الدراسة، فإن هذا الصيد المحلي يتزامن مع نشاط واسع للتربية في مزارع مرتبطة بسوق الحيوانات الأليفة، وتقول إنه "إذا استمر الضغط في هذه المسارات مجتمعة، فقد تتراجع قدرة بعض التجمعات البرية على الاستمرار، حتى لو ظل النوع منتشرا على نطاق جغرافي واسع".
وفي دراسة أخرى أجريت في توغو، أفاد 40% من الصيادين والتجار بأنهم يجلبون البايثون الملكي من خارج البلاد، وقال 85% إنهم يصطادون الذكور والإناث والصغار، التي قد تُباع بدورها إلى المزارع التجارية.
وخلص الباحثون إلى أن هذا النظام يخلق فرصا لإخفاء المصدر الحقيقي للثعابين، ويصعب من مهمة التأكد من أن التجارة مستدامة.
وخطورة هذا الوضع الذي كشفت عنه الدراستان هو أن انخفاض أعداد الثعبان في البرية، قد يؤثر في العلاقات الغذائية داخل موائله الطبيعية.
وتتغذى هذه الثعابين على القوارض وحيوانات صغيرة أخرى، وقد يؤدي تراجع أعدادها إلى تخفيف الضغط على بعض فرائسها، بما قد يسمح بزيادة أعدادها، فيؤثر ذلك سلبا في المحاصيل التي تتغذى عليها القوارض، فتنشأ تداعيات زراعية محتملة.
وتمتد مخاطر تجارة الثعابين إلى الدول المستوردة، إذ حذرت بعض الدراسات من خطورة تأقلم وتكاثر تلك الثعابين إذا هربت من أماكن احتجازها أو إطلاقها في الطبيعة، إذ قد يؤدي ذلك إلى افتراس أنواع محلية ومنافسة المفترسات الأصلية على الغذاء، بما يغير العلاقات داخل الشبكة الغذائية ويضغط على التنوع البيولوجي.
وتعد تجربة انتشار البايثون البورمي في ولاية فلوريدا الأمريكية خير دليل على ذلك، إذ كشفت دراسة أن انتشاره هناك ارتبط بانخفاض حاد في أعداد بعض الثدييات المحلية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











