
ترك برس
اتخذت تركيا خطوة جديدة في مساعيها لإعفاء مواطنيها من تأشيرات الدخول إلى دول منطقة شنغن الأوروبية، بعدما أعدّت مسودة قانون لتعديل التشريعات المتعلقة بحماية البيانات الشخصية، بهدف مواءمتها مع المعايير الأوروبية، في تحرك يندرج ضمن مسار دبلوماسي وتشريعي أعادت أنقرة تنشيطه خلال أغسطس/آب الماضي.
وبحسب المعلومات المعلنة، وصلت المسودة الجديدة إلى مرحلة التشاور التقني مع المفوضية الأوروبية، وسط توقعات بعقد اجتماعات بين مسؤولين أتراك وأوروبيين خلال الفترة المقبلة لمناقشة تفاصيل التعديلات ومدى استجابتها للشروط المطلوبة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكون حماية البيانات الشخصية واحدة من ستة معايير متبقية تحول دون استكمال اتفاق الإعفاء من التأشيرة، الذي بدأت المفاوضات بشأنه بين تركيا والاتحاد الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول 2013.
خطوة تركية لكسر الجمود
يأتي التحرك الجديد استكمالًا للمسار الذي أعلن عنه نائب الرئيس التركي جودت يلماز في أغسطس/آب 2026، حين كشف أن الحكومة بدأت العمل على استيفاء المعايير الستة المتبقية من خريطة الطريق الأوروبية.
وأوضح يلماز آنذاك أن وزارة العدل شكّلت لجنة علمية لإعداد تعديلات على قانون حماية البيانات الشخصية، بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والداخلية ومؤسسات حكومية أخرى.
وأشار إلى أن أنقرة تعتزم التشاور مع المؤسسات الأوروبية بشأن الصياغة الجديدة، مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة إظهار الاتحاد الأوروبي إرادة سياسية مماثلة لدفع العملية إلى الأمام.
وتسعى تركيا من خلال التعديلات إلى تقريب تشريعاتها من المعايير الأوروبية التي تنظّم جمع البيانات الشخصية ومعالجتها وتبادلها، بما يشمل ضمان استقلالية الجهات الرقابية وحماية المعلومات المستخدمة في التعاون الأمني والقضائي.
ما الشروط الستة التي تعرقل الإعفاء؟
بدأت تركيا والاتحاد الأوروبي حوار تحرير التأشيرات عام 2013، ضمن خريطة طريق تضم 72 معيارًا تتعلق بأمن الوثائق وإدارة الهجرة والحقوق الأساسية والتعاون الأمني والقضائي.
ورغم إحراز تقدم في معظم هذه المعايير، ما زالت ستة ملفات رئيسية بحاجة إلى معالجة:
قوانين مكافحة الإرهاب: تعديل التشريعات والممارسات المرتبطة بمكافحة الإرهاب لتتوافق مع المعايير الأوروبية، ولا سيما تعريف الجرائم الإرهابية ومبدأ التناسب.
التعاون مع يوروبول: إبرام اتفاق تعاون عملياتي مع وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في إنفاذ القانون، بما يسمح بتبادل المعلومات المتعلقة بالجرائم الخطيرة والإرهاب.
مكافحة الفساد: تنفيذ توصيات مجموعة الدول المناهضة للفساد «غريكو» التابعة لمجلس أوروبا، وتعزيز التدابير القانونية والمؤسسية لمواجهته.
التعاون القضائي: ضمان التعاون الفعّال في المسائل الجنائية مع جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
اتفاقية إعادة القبول: التطبيق الكامل للاتفاقية المتعلقة بإعادة استقبال المهاجرين الذين دخلوا دول الاتحاد بصورة غير نظامية عبر الأراضي التركية، وفق أحكام الاتفاقية.
حماية البيانات الشخصية: مواءمة التشريعات التركية مع المعايير الأوروبية، بما يضمن حماية البيانات وإتاحة تبادلها بصورة قانونية وآمنة.
ويُعد ملف حماية البيانات ذا أهمية إضافية، لارتباطه بإمكانية إبرام اتفاق تعاون مع وكالة «يوروبول»، ما يعني أن التقدم فيه قد يساعد على معالجة أكثر من عقبة في مسار تحرير التأشيرات.
اتفاق قديم لم يرَ النور
تعود جذور الملف إلى ديسمبر/كانون الأول 2013، عندما أطلق الاتحاد الأوروبي وتركيا حوارًا رسميًا بشأن تحرير التأشيرات، بالتزامن مع توقيع اتفاقية إعادة قبول المهاجرين.
واكتسبت المفاوضات زخمًا إضافيًا خلال أزمة الهجرة عام 2016، عندما توصل الطرفان إلى تفاهم بشأن إدارة تدفقات اللاجئين والمهاجرين عبر بحر إيجة، مقابل حوافز أوروبية شملت تسريع مسار إعفاء الأتراك من التأشيرات، بشرط استكمال جميع المعايير المطلوبة.
وكان الهدف المعلن آنذاك إتمام العملية بحلول نهاية يونيو/حزيران 2016، إلا أن استمرار الخلافات بشأن قوانين مكافحة الإرهاب وحماية البيانات والتعاون القضائي حال دون تنفيذ الإعفاء.
وتحوّل الملف خلال السنوات اللاحقة إلى إحدى القضايا العالقة في العلاقات التركية الأوروبية، إلى جانب مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي والتعاون في ملفات الهجرة والأمن.
ماذا يعني الإعفاء للمواطنين الأتراك؟
في حال استكمال الشروط وإقرار الإعفاء أوروبيًا، سيتمكن المواطنون الأتراك الحاملون لجوازات السفر البيومترية المستوفية للمعايير المطلوبة من السفر إلى دول منطقة شنغن لفترات قصيرة دون الحاجة إلى الحصول على تأشيرة مسبقة.
ويسمح نظام الإقامة القصيرة بالبقاء لمدة تصل إلى 90 يومًا خلال أي فترة من 180 يومًا، لأغراض مثل السياحة والزيارات العائلية ورحلات الأعمال القصيرة.
لكن الإعفاء، إذا أُقر، لن يمنح المواطنين الأتراك حق الإقامة الدائمة أو العمل في دول الاتحاد الأوروبي، إذ تبقى هذه الحقوق خاضعة لإجراءات وتصاريح منفصلة.
كما أن استكمال المعايير الستة لا يعني إلغاء التأشيرات تلقائيًا، بل يتطلب تقييم المفوضية الأوروبية مدى التزام تركيا بالشروط، واستكمال الإجراءات التشريعية اللازمة داخل الاتحاد الأوروبي.
اختبار جديد للعلاقات التركية الأوروبية
تأتي الخطوة التركية في سياق محاولات متبادلة لإعادة تنشيط العلاقات بين أنقرة وبروكسل، بعدما شهدت فترات من التوتر والجمود خلال السنوات الماضية.
وبالنسبة لأنقرة، يمثل تحرير التأشيرات مطلبًا سياسيًا وشعبيًا يرتبط بتسهيل تنقل المواطنين ورجال الأعمال والطلاب، وتعزيز العلاقات التجارية والسياحية مع الدول الأوروبية.
أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فيرتبط التقدم في هذا الملف باستيفاء المعايير القانونية والأمنية، خصوصًا ما يتعلق بحماية البيانات ومكافحة الإرهاب والتعاون القضائي وإدارة الهجرة.
وبينما تمثل مسودة قانون حماية البيانات بداية عملية للمسار الجديد، فإن مستقبل الإعفاء سيعتمد على نتائج المشاورات التقنية، وقدرة الطرفين على تجاوز الملفات الخمسة الأخرى.
وبذلك، يعود ملف السفر دون تأشيرة إلى طاولة المفاوضات بعد نحو 13 عامًا من انطلاقه، لكن من دون جدول زمني معلن حتى الآن لدخول الإعفاء حيز التنفيذ.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











