مولاي علي الأمغاري - خاص ترك برس

قال الرئيس التركي الطيب أردوغان: (قلنا دستور جديد... قالوا لا، قلنا مطار جديد... قالوا لا، قلنا جسر جديد... قالوا لا، قلنا سياسة خارجية جديدة... قالوا لا، قلنا فترة صلح جديدة... قالوا لا، قلنا روح يني كابي... قالوا لا، قلنا نظام انتخاب جديد... قالوا لا، قلنا رؤية تعليمية جديدة... قالوا لا، قلنا رؤية صحية جديدة... قالوا لا، إن الذين يقولون (لا) لكل ما هناك من التجديدات التي قمنا ونحاول القيام بها؛ يقولون لنا اليوم بأننا رجعيون).

لا شك أن الرئيس التركي يقصد حزب الشعب الجمهوري وزعيمه "كمال كليجدار أوغلو" بمن "قالوا لا".

حـزب الـشـعـب ورفـضـه التعديلات الدستورية

ففي خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده أردوغان مع نظيره الملغاشي سئل عن تهديد حزب الشعب الجمهوري بإحالة موضوع التعديلات الدستورية إلى المحكمة الدستورية، أجاب الرئيس التركي قائلا: (وفيما يخص موقف حزب المعارضة الرئيسي (حزب الشعب الجمهوري) يمكنه أن يشتكي إلى المحكمة الدستورية، هذا أمر طبيعي جدا ولا يوجد أي اعتراض لنا عليه، نحن متعودون على مثل هذه الشكايات، توجد في تركيا ذهنية تتوجه دائما إلى المحكمة الدستورية، وأنا أتمنى أن تصدر المحكمة الدستورية قرارها بسرعة لأن الشعب ينتظر بفارغ الصبر هذه التعديلات الدستورية، حتى يتم تفعيلها من أجل الوطن والشعب لتكون خيرا وبركة علينا).

بعد فترة تقارب ملفتة بين الحكومة التركية وقادة حزب العدالة والتنمية من جهة، وحزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة وزعيمه "كمال كليجدار أوغلو" من جهة أخرى، وسحبه لكافة الدعاوى القضائية التي رفعها ضد الرئيس التركي أردوغان، والمعاملة بالمثل من الرئيس الطيب أردوغان، والذي بدوره سحب كل الدعاوى القضائية التي رفعها ضد المسيئين إليه.

وبعد الاجتماعات واللقاء التاريخية التي جمعت بين رئيس الجمهوري وقادة العدالة والتنمية وزعماء أحزاب المعارضة، والتي وصفها الإعلام التركي المنعطف التاريخي نحو انفتاح وطني، يجعل مصلحة الوطن والشعب أعلى وأغلى من خلاف وخصام بين زعماء سياسيين.

تـوتـر الـعـلاقـات بـيـن الـحـزب الـحـاكم وحزب الشعب

لكن رفض حزب الشعب الجهوري وزعيمه لمسودة الدستور الجديدة المطروحة من قِبل حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، وبدعم من حزب الحركة القومية (المعارض)، والتي وافقت عليها الجمعية العامة بالبرلمان التركي بأغلبية  أعضائه على المواد المقترحة والبالغ عددها 18 مادة، والتي ستعرض على رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان للمصادقة عليها، ومن ثمّ الذهاب إلى استفتاء شعبي من أجل إقرار التغييرات التي تتضمنها.

هذا الرفض أعاد التوتر بين حزبي بين حزبي العدالة والشعب الجمهوري ، حيث لم يترك "كمال كليجدار أوغلو" مناسبة إلا بين فيها رفضه التام لتعديلات الدستورية، والتي تتضمن التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي الذي يعتبره أرضية توفر حالة عدم القانون، ونظاما سياسيا يفتقر للعدالة والديمقراطية، وصدرت منه عبارات شديدة تبين رفضه التام لهذه التعديلات الدستورية وما تفضي إليه، حيث قال أن "السيادة ليست في القصر، السيادة لشعب، ولن نسلم تركيا للمجانين، والذين يحكمون تركيا لا يريدونها جزء من العالم المتحضر " وغيرها من العبارات القوية التي تبين تذمر زعيم حزب الشعب من التوافق الذي حصل بين العدالة والتنمية والحركة القومية حول مسودة الدستور الجديد.

إصرار حزب الشعب على عدم التجاوب مع مطالب العدالة والتنمية حول الدستور الجديد، غير مفهوم لذا متتبعي الشأن التركي، فالحزب الذي سارع إلى الوقوف بجانب الشرعية حينما تعرضت الحكومة الشرعية لمحاولة انقلاب فاشلة، وشارك في المظاهرة المليونية التي أقيمت بميدان "يني كابي" بإسطنبول والتي أقرت ما يسمى "روح يني كابي الوطنية"، اليوم يرفض تعديلات دستوريه مهمة تخدم الاستقرار بتركيا.

أهـمـيـة الـتـعـديـلات الـدسـتـوريـة لـتـركيا والأتراك

هذه التعديلات الدستورية والتي في حقيقة تمثل تغيرا بيروقراطيا، عبر إعادة تنظيم النظام الإداري، لأن النظام السياسي الجديد والذي تقره مسودة الدستور يتمتع بمرونة أكبر من النظام البرلماني، الذي خلق فوضى بالحياة السياسية التركية، بسبب ازدواجية السلطة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، كما الدستور الجديد سيقطع الطريق على الكل المحاولات الانقلابية، بإجراءاته الوقائية وضماناته القانونية والدستورية التي ستحمي تركيا من التهديدات الداخلية والخارجية، الناتجة عن ثغرات النظام الجمهوري البرلماني المعمول به والذي كرسه دستور انقلاب 1980، الانقلاب العسكري ودستوره الذي خلٌف عواقب وخيمة على الشعب التركي في جميع المجالات والميادين، والذي كان آخر كوابيسه ما وقع ليلة 15 تموز 2016.

وكأن حزب الشعب الجمهوري يريد لهذه الثغرات أن تستمر، وتستمر معها الزلازل السياسة والانقلابات العسكرية، والحروب الاقتصادية والمالية التي تتعرض لها تركيا، أو أن الحزب أيقن بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة وخروج الشعب التركي إلى الميادين لحراسة الشرعية والديمقراطية، وارتفاع شعبية الرئيس التركي وحزب العدالة والتنمية، أنه لن يصل للحكم مجددا إلا بعد سنوات أوعقود.

تـنـاقـض زعـيـم حزب الشعب الجمهوري

وقع زعيم حزب الشعب في حيرة من أمره، تناقضت فيه تصريحاته، فمرة يصرح أنه يتق في أن الشعب التركي سيرفض مسودة الدستور الجديد قائلا: (أثق من صميم قلبي بأن الشعب لن يسمح بتمرير اللعبة التي تمت في البرلمان، شعبنا سوف يصحح هذا الخطأ، لأن هذه التعديلات الدستورية تضمن مستقبل شخص واحد وتتجاهل 80 مليون مواطن تركي).

ومرة يصرح بأن حزبه لن يعترف بالاستفتاء المحتمل فيما يخص الدستور الجديد والنظام الرئاسي في تركيا، حتى وإن بلغت نسبة التصويت 98 % لصالح الدستور الجديد.

مـا يـخـشـاه "كمـال كليشدار أوغلو"

من يرجع إلى نص خطاب "كمال كليجدار أوغلو" بمنصة "يني كابي" يتيقن أنه ضد النظام الرئاسي قبل الانقلاب وبعده ومن خطابه: (يجب إبعاد السياسة عن الجيش والجامعات والمساجد، والتمسك بالعلمانية والديمقراطية والنظام البرلماني، والحفاظ على حرية الصحافة، ودعم استقلال القضاء).

لعله يرى في النظام البرلماني فرصة للوصول إلى الحكم أو إظهار معارضة شرسة قوية في مقبل السنوات، أمام الضغوط التي تتعرض الحكومة التركية وحلقة النار التي تحيط بها من كل جانب، أما مع النظام الرئاسي فأحلام كمال كليجدار ستتبخر ولو عَمر في زعامة حزب الشعب ما شاء الله.

إذا كان حزب الشعب صادقا في مشروعه النهضوي والذي يبشر الشعب التركي به، فعليه أن يتمسك بروح "يني كابي" ويدعم مسودة الدستور الجديدة، ويحض الشعب التركي على التصويب بنعم في أبريل/ نيسان المقبل، لأن هذا الدستور الجديد سيفتح الطريق أمام تركيا لترتقي إلى مستوى الحضارات الحديثة والبلدان المتقدمة.

وإلا فإنه سيفقد ثقة الشعب التركي لسعيه تعطيل التعديلات الدستورية في البرلمان ثم أمره نواب حزبه حض الأتراك على التصويت بـ"لا" لتعديلات.

الشعب التركي هو صاحب الكلمة الأخيرة في أمر الدستور الجديد، وأمام إصرار حزب الشعب الجمهوري وزعيمه على هذا الرفض، سيكون أبريل المقبل تصويت على الدستور الجديد وعلى شعبية الحزب وزعيمه.

وأخشى أن يكون للحزب وزعيمه وسياستهم، نصيب من المثل العربي القائل: "إذا لم يكن لك في الخير اسم، فارفع لك في الشر عَلما!"

فهل سيتنبه "كمال كليجدار أوغلو" وحزبه إلى عواقب سياسته العقيمة؟

عن الكاتب

مولاي علي الأمغاري

باحث في قضايا العالم العربي والإسلامي ومتخصص في الحركات الإسلامية وقضايا الإرهاب، ومهتم بالشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس