فراس السقال - خاص ترك برس

تُعدّ قاعدة "إنجرليك" الأمريكية من أقوى وأضخم القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، لا سيما كونها في بلد قوي وموقع مهم كتركيا، وتصريحات السيد "أردوغان" الأخيرة بإغلاقها أراها تصدر من منطلق قوي ومسؤول، فهو مُدرك لأبعاد هذه التصريحات الخطيرة.

وما رأيناه وفي عدّة مواقف مُؤخراً من ثناء الرئيس الأمريكي "ترامب" على السياسة التركية عموماً، وعلى سياسة الرئيس "أردوغان" بشكل خاص يحكي لنا مدى قدرة السياسة التركيّة من التأثير على مواقف السياسة الأمريكية التي تُعدّ الأقوى دولياً.

فالذي جعل من تركيا تفرض نفسها بقوة على المشهد الآن: تحالفاتها القوية والمعقدة، كتحالفها مع روسيا (العدو المباشر لأمريكا) وباكستان وعلاقاتها الجيدة مع الكثير من الدول الكبرى والصناعية، وسياستها الخارجية الناجحة، واقتصادها الرائد والمتصاعد، وإمكانياتها العسكرية التي لا يستهان بها، وتحركها في الوقت والمكان المناسبين، إضافة إلى التقدم التركي في الانتاج العلمي المتسارع وعلى جميع الأصعدة، وكونها قلب الحدث الأقوى لصلتها المركزية المؤثرة بالكثير من المسائل الطافية على السطح، منها المسألة السورية والعراقية والليبية.. أعطاها المزيد من الأهمية والمكانة.

وبالعودة إلى "إنجرليك" الأمريكية، فتهديد السيد "أردوغان" أظنّه سيجعل البيت الأبيض يرضخ للشروط التركيّة بأسلوب لا يُظهر فيه الاستسلام، وقد رأينا التراجعات السياسية والعسكرية الأمريكية من خلال عملية نبع السلام وما بعدها، فليس من مصلحة أمريكية الآن التنازل عن قاعدة كهذه، فهي تشكّل تحدّياً كبيراً لروسيا وحليفتها إيران، إضافة أنّها مسمار "جِحا" في تركيا، ولا ننسى دور القاعدة المهم في انقلاب 15تموز في تركيا، فلن تتحامق أمريكا بخسارة هكذا كيان، فهي بذلك تفتح جبهات جديدة على نفسها، فيكفيها المناورات الاستفزازية بين الحين والآخر مع روسيا والصين، ومسألة النووي الإيراني، والشأن الأمريكي الداخلي المتعلق بفساد "ترامب" وسياسته، والأصوات التي تتعالى كلّ يوم ضدّه، فكلّ ذلك سيجعل "ترامب" يقبل بالرضوخ والنزول على ما تفرضه عليه السياسة التركية، وقد شاهدنا غزل "ترامب" لتركيا في مدحها أنّها تساعد في القضاء على الإرهاب في سورية، وتهدئة الأوضاع فيها، وعونها للاجئين السوريين، بينما تقوم روسيا وإيران وذيلهما "الأسد" في قتل الأبرياء العزّل في إدلب.

وزاد الطين بلّة في وجه أمريكا القمّة الإسلامية ومعالم تحالفات جديدة تتشكل أو تكاد بعد قمّة ماليزية، والتي تضمّ أكبر خمس دول إسلامية، فهناك تخوفات دوليّة من نجاحها في خروج حلف المارد الإسلامي الذي سيلتهم كل التحالفات السابقة.

فأرى أنّه سيكون هناك إجماع أمريكي في إعادة المشاورات مع أنقرة والتسليم لها بما تريد، فبؤرة "إنجرليك" خطّ أمريكي أحمر، لا يتنازلون عن مكانته وأهميته، وسيدفعون بالحلول الدبلوماسية بكل ما يستطيعون إرضاء لتركية ولسلامة قاعدتهم الخبيثة.

عن الكاتب

فراس السقال

باحث في العلوم العربية والإسلامية واستاذ جامعي سوري


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس