ترك برس

يعد قصر "دولمة بهتشة" بإسطنبول، أحد أهم وأبرز معالم المدينة، سواء من حيث أهميته التاريخي والسياسي، أو من حيث جماله المعماري.

القصر الواقع على ضفاف البوسفور، على الشق الأوروبي من إسطنبول، بدأت أعمال بنائه عام 1834 في عهد السلطان عبد المجيد الأول، واكتملت بعد 13 عاما من العمل، وأنفقت الدولة عليها نحو 35 طنا من الذهب، وفقا لبعض المصادر، في حين تشير أخرى إلى أن تكلفة بنائه بلغت 14 طنا من الذهب وستين طنا من الفضة.

وتذكر المصادر أيضاً، أن آخر ستة سلاطين عثمانيين أقاموا في القصر، وما زالت صورهم على جدرانه إلى اليوم، وهم: عبد المجيد وعبد العزيز ومراد الخامس وعبد الحميد الثاني ومحمد رشاد ومحمد وحيد الدين. 

وما أن يتجاوز الزائر حديقة القصر وساحته وبحيرة الماء الصغيرة في غرته، حتى يقف أمام خليط من العصور والثقافات، التي يمزج دولمة بهجة تاريخ العثمانيين وزخارف السلاجقة وزينة أوروبا وطراز فينيسيا (البندقية) وهيبة بيزنطة عبرها في طراز معماري فريد.

أما فيما يتعلق بالتسمية، ويحمل القصر اسمه المركب من كلمتين: إحداهما (dolma) وتعني "الحشوة"، والأخرى (bahçe) وهي "الحديقة"؛ ليصبح معنى اسمه بالعربية (الحديقة المحشوة).

ويقول المرشد السياحي في القصر إن أصل التسمية يرجع إلى طريقة بنائه، حيث تم حشو الميناء الواقع في منطقة بشكتاش بإسطنبول بالتراب والحصى ليقام عليه القصر.

ويشير إلى أن القصر يتألف من 285 غرفة، و43 صالونا، ومثلها من الحمامات، وستة من الحمامات التركية الفارهة، وهي موزعة على أقسام القصر الثلاثة: قسم السلام أو الاستقبال، وقسم المعايدة، وقسم الحريم.

ففي قاعة تشريفات القصر الأولى يُسمع صوت أوروبا القديمة منبعثا من جهاز بيانو عريق يتوسط القاعة، التي فرشت أرضها بأفخر أنواع السجاد، وتدلت من سقفها أفخم الثريات، وعلت جدرانها مرايا الكريستال العملاقة.

تنقل هذه القاعة الزوار إلى ممرات طويلة تمتد على جانبها الأيسر أول أسراب الغرف الواسعة، وعلى جدار إحداها لوحة كبيرة بالبسملة، وفي زاويتها منبر صغير يبين أن هذه الغرفة كانت تستخدم مسجدا أو مصلى للزوار.

وتستمر الرحلة بين ممرات الاستقبال وغرفه حتى يصل الزائر إلى فخامة القصر الحقيقية في بهوه المصنوع من السلالم الخشبية المغطاة بسجاد مذهب، الذي تعلوه ثريا إضاءة تزن 4.5 أطنان من الكريستال، وتتكون من 750 مصباحا، بحسب ما ورد في تقرير لموقع الجزيرة نت.

كما تبهر الأبصار في القصر صالة التوقيع الخاصة بالسلطان عبد الحميد، والغرف الرخامية المطلة على البحر، والمكتبة التي تعرض إلى يومنا هذا دفتر الشيكات الخاص بالسلطان عبد الحميد على وجه التحديد.

وتنتشر في المكتبة كتب السلاطين ومقتنياتهم، وإلى جوارها شجرة عائلتهم الممتدة إلى سليمان شاه جد عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية.

ويحكي تصميم القصر وسمك جدرانه وهيبة أعمدته (عددها 56) جزءا من قصته، أما بقية القصة فتروي فصولها موجودات القصر من هدايا ومعروضات، وكذلك اللوحات المعلقة على جدرانه.

إذ تنتشر اللوحات والصور لغزوات العثمانيين في حملات البوسنة وبغداد وحصار فيينا، كما تعرض هدايا ملوك أوروبا وأمرائها، وسيوف السلاطين وخواتمهم والنياشين التي كانوا يحملونها على أكتافهم، وحتى "غليون" السيجارة الفاخر.

وإلى جانب الغرف العثمانية، يضم القصر غرفة مصطفى كمال أتاتورك وسريره الذي توفي عليه وهو مغطى بالعلم التركي.

وعبر تاريخه شهد دولمة بهجة العديد من القصص والحوادث، ومن أهمها اعتقال مدحت باشا على يد أنصاره، وفيه انتهى حكم الدولة العثمانية رسميا على يد مصطفى كمال أتاتورك، الذي ظل يعتبر القصر مكانه المفضل كلما زار مدينة إسطنبول.  

وتسير أعمال الترميم والإعمار في قاعة "العرش" على قدم وساق، لكنها لا تضع حدا لانبهار الزوار وهم يودعون القصر من أوسع قاعاته التي تتسع لأكثر من أربعة آلاف زائر.

بل ويذهب بعض من زاروا القصر إلى التندر بالقول إن مصطفى كمال باشا "أتاتورك" كان محقا بإنهاء حكم السلطنة التي أنفقت كل تلك الأموال على هذا البناء الباذخ، وهي في أمس الحاجة لكل ليرة ذهبية في عصر كان الجيران يسمونها فيه "رجل أوروبا المريض".

رحل بناة القصر وساكنوه، لكن بناءه العظيم ما زال يجذب السياح والزوار الذين تصدمهم فخامة التصميم والعمران والتأثيث والمقتنيات.

تقول الإحصاءات الرسمية التركية إن مليونا و306 آلاف زائر، بينهم 915 ألف سائح أجنبي، زاروا القصر خلال عام 2019.

وفي العصر الحديث ما زال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستخدم مكتبا رئاسيا في القصر لاستضافة زواره في مدينة إسطنبول، ومن بينهم زعماء دول ورؤساء حكومات وقادة منظمات سياسية ومدنية.

وتحاذي القصر العديد من المرافق الحيوية؛ فأمامه يمتد الشارع الذي يفرق الطريق بين بشكتاش وميدان تقسيم، وهي منطقة دائمة الاكتظاظ، وتشهد ازدحاما مروريا على الدوام.

ويقابل مدخل القصر ملعب "فودافون الرياضي" الخاص بنادي بشكتاش الإسطنبولي الشهير لكرة القدم، ويجاوره جامع دولمة بهجة، في حين يبعد ميناء كاباتش عنه مسافة تقل عن كيلو متر واحد.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!