غزوان مصري - خاص ترك برس

لم يعد الحديث عن تركيا اليوم يقتصر على الطائرات المسيّرة أو الصناعات الدفاعية التقليدية، بل دخل مرحلة جديدة عنوانها “الردع الاستراتيجي” وإعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط وما حوله.

فالإعلان عن أول صاروخ باليستي عابر للقارات يحمل اسم “يلدريم خان” لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل رسالة سياسية وأمنية مدوية وصلت أصداؤها سريعًا إلى العواصم الإقليمية والغربية، وأثارت قلقًا واسعًا داخل الإعلام الإسرائيلي الذي وصف التطور بأنه “نقطة تحول تاريخية” قد تغيّر قواعد اللعبة في المنطقة.

وفي وقت تتصاعد فيه الحروب والصراعات الجيوسياسية من غزة إلى البحر الأحمر والخليج، تبدو أنقرة وكأنها تعلن دخول مرحلة جديدة من تاريخها؛ مرحلة تسعى فيها إلى تثبيت نفسها كقوة مستقلة تمتلك التكنولوجيا، والإرادة السياسية، وأدوات الردع بعيدة المدى، بعيدًا عن الهيمنة الغربية والقيود التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود طويلة.

لم يعد الحديث عن الصناعات الدفاعية التركية مجرد أخبار متفرقة عن طائرات مسيّرة أو مدرعات محلية الصنع، بل بات مشروعًا استراتيجيًا متكاملًا يعكس تحوّل تركيا خلال العقدين الأخيرين من دولة تعتمد على استيراد السلاح إلى قوة صناعية عسكرية تمتلك إرادة القرار السيادي وأدوات الردع الحديثة.

الإعلان التركي الأخير عن أول صاروخ باليستي عابر للقارات تحت اسم “يلدريم خان”، خلال معرض SAHA Expo 2026 في إسطنبول، لم يكن مجرد استعراض تقني أو حدث دعائي، بل رسالة سياسية وعسكرية عميقة وصلت سريعًا إلى العواصم الغربية والإقليمية، وخصوصًا إلى إسرائيل التي تعامل إعلامها مع التطور التركي بقدر كبير من القلق والتحذير.

اللافت أن ردود الفعل الإسرائيلية لم تركز فقط على قدرات الصاروخ ومداه الذي يتجاوز آلاف الكيلومترات، بل على التحول العقائدي والاستراتيجي الذي تمثله هذه الخطوة. فتركيا، بحسب توصيف الإعلام الإسرائيلي نفسه، لم تعد “قوة إقليمية صاعدة” فقط، بل بدأت تقترب من نادي الدول التي تمتلك أدوات الردع الاستراتيجي بعيدة المدى، وهو ما يعني عمليًا تغيرًا جذريًا في ميزان القوى في الشرق الأوسط وشرق المتوسط وحتى أوروبا.

من وجهة النظر التركية، فإن هذا التطور لا يأتي في سياق سباق هجومي أو مغامرات عسكرية، بل ضمن مشروع “الاستقلال الدفاعي الكامل” الذي تتبناه أنقرة منذ سنوات، خاصة بعد التجارب القاسية التي عاشتها تركيا مع حلفائها الغربيين في ملفات التسليح والحصار غير المعلن على الصناعات الدفاعية التركية.

لقد أدركت أنقرة مبكرًا أن الدولة التي لا تملك قرارها العسكري المستقل، لا تستطيع حماية مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية في عالم تتزايد فيه الأزمات والصراعات الجيوسياسية. ولذلك استثمرت تركيا بكثافة في قطاع الصناعات الدفاعية، حتى ارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي الدفاعي من نحو 20% مطلع الألفية إلى أكثر من 80% اليوم، وفق تصريحات رسمية تركية وتقارير صادرة عن Presidency of Defence Industries.

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت تركيا إلى واحدة من أبرز الدول المصدّرة للسلاح في العالم، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة، والأنظمة الإلكترونية، والذخائر الذكية، والسفن الحربية، والصواريخ، حيث تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية التركية 7 مليارات دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعها بشكل أكبر خلال السنوات القادمة.

لكن ما يجري اليوم يتجاوز البعد الاقتصادي أو الصناعي، ليصل إلى إعادة تعريف موقع تركيا في النظام الإقليمي الجديد.

فالمنطقة تشهد تحولات استراتيجية عميقة: حرب غزة، التصعيد في البحر الأحمر، التوتر بين إيران وإسرائيل، سباق الممرات التجارية والطاقة، ومحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا المشهد، ترى أنقرة أن امتلاك قوة ردع متطورة أصبح ضرورة استراتيجية وليس ترفًا سياسيًا.

الإعلام التركي المقرّب من الحكومة تعامل مع مشروع “يلدريم خان” باعتباره تتويجًا لمرحلة جديدة من “تركيا القوية” التي تستطيع حماية أمنها القومي ومصالحها الإقليمية دون انتظار المظلة الغربية أو موافقة حلفائها التقليديين.

كما يربط كثير من المحللين الأتراك هذا التطور ببيئة دولية باتت تعترف فقط بمن يمتلك عناصر القوة الشاملة: الاقتصاد، التكنولوجيا، الصناعات الدفاعية، والاستقلال السياسي.

وفي هذا السياق، فإن تركيا لا تسعى فقط لبناء ترسانة دفاعية، بل لبناء “هيبة استراتيجية” تعزز موقعها التفاوضي عالميًا، سواء في ملفات الطاقة، أو الأمن الإقليمي، أو شرق المتوسط، أو العلاقات مع القوى الكبرى.

الرسالة التركية للعالم العربي تبدو واضحة أيضًا: إن امتلاك التكنولوجيا العسكرية المتقدمة ليس حكرًا على الغرب أو القوى الكبرى، بل يمكن للدول الإقليمية أن تبني نماذجها المستقلة إذا امتلكت الإرادة السياسية والاستثمار طويل الأمد في التعليم والصناعة والتكنولوجيا.

ولعل ما يلفت الانتباه أن التجربة التركية أصبحت اليوم محل دراسة واسعة في العديد من الدول العربية والإسلامية، خصوصًا أن أنقرة نجحت في بناء منظومة صناعات دفاعية متكاملة رغم العقوبات والضغوط ومحاولات العزل التكنولوجي.

كما أن هذا التقدم يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الدفاعي والتقني بين تركيا والعالم العربي، خاصة مع دول تسعى لتنويع مصادر تسليحها، وبناء شراكات صناعية واستراتيجية بعيدًا عن الاحتكار التقليدي للسوق العسكرية العالمية.

وفي المقابل، فإن القلق الإسرائيلي المتزايد من القدرات التركية يعكس إدراكًا متناميًا داخل إسرائيل بأن موازين القوة في المنطقة لم تعد ثابتة كما كانت في العقود الماضية، وأن تركيا باتت تمتلك عناصر تأثير متصاعدة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

ومع ذلك، تحرص أنقرة رسميًا على التأكيد أن استراتيجيتها الدفاعية تقوم على الردع وحماية الاستقرار، وليس على التصعيد أو خلق مواجهات جديدة، وأن امتلاك القوة بالنسبة لتركيا هو ضمانة للسلام وحماية للمصالح الوطنية في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطوير لصاروخ جديد، بل انتقال تركيا إلى مرحلة مختلفة من تاريخها الاستراتيجي؛ مرحلة تحاول فيها تثبيت نفسها كقوة دولية مؤثرة تمتلك القرار والسيادة والتكنولوجيا، وتعيد رسم موقعها في النظام العالمي المتغيّر.

وفي عالم لا يحترم إلا الأقوياء، تبدو أنقرة مصممة على أن تكون ضمن الدول التي تُصنع المعادلات، لا تلك التي تنتظر نتائجها.

عن الكاتب

غزوان مصري

- نائب رئيس منتدى الأعمال الدولي IBF - عضو المجلس الإستشاري الأعلى وممثل الرئاسة في جمعية الموصياد لرجال الأعمال - خبير بالشؤون التركية - مهتم بالتواصل العربي التركي - مهتم بالشؤن الإقتصادية والأعمال والسياسة - ناشط في العمل الطوعي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس