
ترك برس
يُعد موقع جبل نمرود الأثري في ولاية أدي يامان جنوب شرقي تركيا أحد أبرز الشواهد على حضارات الأناضول القديمة، إذ يجمع بين العمارة الجنائزية والفن الهلنستي والرموز الدينية في لوحة تاريخية فريدة توجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بإدراجه على قائمة التراث العالمي عام 1987.
ويقع الموقع الأثري في قضاء كاهتا بولاية أدي يامان، على قمة جبل نمرود التي ترتفع نحو 2150 مترًا فوق مستوى سطح البحر، ويضم الضريح التذكاري الذي شيده ملك مملكة كوماجين أنطيوخوس الأول (أنتيوخوس الأول) تعبيرًا عن امتنانه للآلهة ولأسلافه، إلى جانب مجموعة من التماثيل العملاقة التي تُعد من أبرز آثار العصر الهلنستي وأكثرها إثارة للإعجاب.
مملكة كوماجين وإرث الملك أنطيوخوس الأول
حكمت مملكة كوماجين المنطقة لنحو مئتي عام، ويُعد الملك أنطيوخوس الأول (Theos) أشهر حكامها. ورغم عدم وجود تواريخ دقيقة لاعتلاء ملوك كوماجين العرش، تشير المصادر التاريخية إلى أن أنطيوخوس الأول حكم المملكة بين عامي 70 و32 قبل الميلاد تقريبًا.
وأعلن الملك نفسه إلهًا، وحمل لقب "ثيوس" الذي يعني "الإله"، كما أمر، وهو لا يزال على قيد الحياة، ببناء مجمع مقدس فوق قمة جبل نمرود ليخلد اسمه للأجيال.
ويُعتبر هذا المجمع من أعظم الآثار المتبقية من العصر الهلنستي، ويتكون من تل جنائزي ضخم (تومولوس)، تحيط به من ثلاث جهات مصاطب حجرية تنتصب فوقها تماثيل عملاقة ولوحات نحتية بارزة، في تصميم يجسد المعتقدات الدينية والسياسية التي سادت تلك الحقبة.
الضريح الذي ما زال يخفي أسراره
يتوسط الموقع التل الجنائزي الذي يُعتقد أنه الضريح التذكاري للملك أنطيوخوس الأول، وقد شُيّد عبر تكديس ملايين القطع الصغيرة من الصخور المكسرة والحصى، ليشكل تلة اصطناعية يبلغ ارتفاعها اليوم نحو 50 مترًا، فيما يصل قطرها إلى حوالي 150 مترًا.
ورغم أن النقوش الموجودة في الموقع تؤكد أن قبر الملك يقع داخل هذا التل، فإن غرفة الدفن لم تُكتشف حتى اليوم، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر ألغاز الموقع إثارة. ويرجح الباحثون أن عظام الملك أو رماده وُضعت داخل غرفة منحوتة في الصخر الأصلي، ثم غُطيت بتل اصطناعي لحمايتها وإخفائها.
تماثيل عملاقة تتحدى الزمن
تنتشر التماثيل الضخمة في ثلاث جهات من التل، هي المصطبة الشرقية والمصطبة الغربية والمصطبة الشمالية، وتُعد المصطبة الشرقية أفضلها حفظًا حتى اليوم.
أما التماثيل الموجودة في المصطبتين الشرقية والغربية فهي متطابقة تقريبًا، مع اختلافات طفيفة في بعض التفاصيل، وقد نُحتت وفق الطراز الإغريقي–الفارسي من كتل الحجر الجيري.
ويتراوح ارتفاع هذه التماثيل بين ثمانية وعشرة أمتار، وكانت تمثل آلهة جالسة على عروشها. ومع مرور الزمن انهارت أجساد معظمها، بينما استقرت رؤوسها الحجرية الضخمة أمام قواعدها، في مشهد أصبح من أشهر الصور المرتبطة بجبل نمرود.
رمزية دينية وسياسية
تصطف التماثيل من اليسار إلى اليمين على النحو الآتي: الملك الإله أنطيوخوس الأول، والإلهة كوماجين التي تمثل الإلهة الأم للمملكة، والإله الأكبر زيوس، والإله أبولون، ثم البطل هرقل.
ويحيط بهذه التماثيل تمثال أسد وآخر لنسر على جانبيها، حيث يرمز الأسد إلى سيادة المملكة على الأرض، بينما يرمز النسر إلى هيمنتها على السماء، في حين تتجه جميع التماثيل نحو الأفق في دلالة ترتبط بالقداسة والخلود.
نقوش ووثائق تاريخية
تحمل الجهة الخلفية لقواعد العروش التي تجلس عليها التماثيل، في كل من المصطبتين الشرقية والغربية، نقشًا يتألف من 237 سطرًا يمثل وصية الملك أنطيوخوس الأول ذات المضامين الدينية والاجتماعية، والمعروفة باسم "النوموس" (Nomos)، والتي تُعد من أهم النصوص التاريخية التي توضح فلسفة الملك ومعتقداته وتنظيمه للشعائر الدينية.
كما تضم المصطبة الشرقية لوحات نحتية بارزة لأفراد الأسرة المالكة في مملكة كوماجين، إضافة إلى مذبح للنار يقع أمام التماثيل، وإلى جواره تمثال لأسد في وضعية الجلوس.
أما المصطبة الغربية فتضم مشاهد بارزة تصور الملك أنطيوخوس الأول وهو يصافح الآلهة، وهي من أشهر الأعمال الفنية في الموقع، وتعكس فكرة منح الملك شرعية ذات طابع إلهي.
ومن أبرز القطع الأثرية أيضًا شكل فلكي لأسد نُحتت عليه رموز القمر والنجوم، ويُعد من أقدم التصويرات الفلكية المعروفة في العالم. ونظرًا لتعرضه للتلف، يخضع هذا الأثر حاليًا لإجراءات الحماية والصون.
طريق احتفالي يربط أجزاء الموقع
تقع المصطبة الشمالية بين المصطبتين الشرقية والغربية، وتمثل طريقًا احتفاليًا يبلغ طوله نحو 180 مترًا، كان يُستخدم على الأرجح في الطقوس والمراسم الدينية.
وتضم هذه المصطبة عددًا كبيرًا من القواعد الحجرية واللوحات المنحوتة، التي يُعتقد أن الملك أنطيوخوس أعدها لتزيين المكان بصور أسلافه، إلا أن معظمها وصل إلى العصر الحديث في حالة مكسورة.
تراث عالمي استثنائي
بفضل قيمته التاريخية والفنية والثقافية الفريدة، أُدرج جبل نمرود على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 1987، ليصبح أحد أهم المواقع الأثرية في تركيا والعالم.
ولا يمثل الموقع مجرد مجموعة من التماثيل الضخمة أو ضريحًا ملكيًا غامضًا، بل يجسد رؤية حضارية مزجت بين الموروثين الفارسي واليوناني، وعكست طموح ملك أراد أن يخلد اسمه عبر بناء معلم استثنائي فوق قمة جبل شاهق، حيث لا تزال التماثيل العملاقة، بعد أكثر من ألفي عام، تستقبل شروق الشمس وغروبها، شاهدة على واحدة من أكثر الحضارات تميزًا في تاريخ الأناضول.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!









