حقي أوجال - ملييت - ترجمة و تحرير ترك برس

لنفترض، على سبيل المثال، أن مجموعة من الأفارقة أو الآسيويين جاءت وبدأت بالاستقرار في الجزء الشرقي من لندن... ثم، بينما كان جيرانهم الإنجليز خارج المنزل، قاموا بصنع مفاتيح مطابقة لأبوابهم ودخلوا إلى البيوت. وعندما عادت العائلات الإنجليزية إلى منازلها، منعوها، وهم يحملون أسلحة آلية، من الدخول إليها... وبالطبع ستتصل العائلة الإنجليزية فورًا بالشرطة. فإذا حضرت الشرطة وقالت: «إنهم يقولون إن هذا المكان لهم. تقدموا غدًا إلى المحكمة، وليقرر القاضي!»؟ عندها سيُصاب الإنجليز بالدهشة والغضب، وسيحاولون دفع هؤلاء الغرباء المعتدين والدخول إلى منزلهم الذي يقيمون فيه منذ ما لا يقل عن ستين عامًا، والذي توجد وثائق ملكيته وسنده الرسمي في الداخل. فإذا وجه الشرطي بندقيته إليهم، تمامًا كما يفعل الغرباء المحتلون، وقال: «لا يمكنكم الدخول... هذا منزلهم. تقدموا غدًا إلى المحكمة»، ومنع العائلة الإنجليزية من الدخول. وإذا فقد الأب الإنجليزي أعصابه تمامًا وأمسك الشرطي من ياقة ثوبه، فأخرج الشرطي سلاحه وأطلق النار عليه.

يمكنني أن أطيل هذا السرد بما يستغرق ساعة أو ساعة ونصف من وقتكم، لأنني أكتب استنادًا إلى مقطع فيديو لحادثة وقعت أول أمس في الضفة الغربية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي. وربما شاهدتم أنتم أيضًا مشاهد مشابهة لا تمت إلى الإنسانية بصلة... ومن المرجح أن تقع اليوم أو غدًا حادثة مماثلة أخرى؛ إذ يُطرد فلسطيني بالقوة من منزله الذي يعود ملكه لعائلته منذ ما قبل العهد العثماني، على يد مستوطنين يهود وبمساعدة الشرطة والجيش الإسرائيليين. وإذا لم يُقتل في ذلك اليوم، وتقدم في اليوم التالي إلى محكمة إسرائيلية، فإن الجواب الذي سيتلقاه معروف سلفًا: إن سند الملكية العائد إلى العهد العثماني أو إلى حكومة فلسطين (التي أُنشئت بعد الدولة العثمانية وقبل إسرائيل) غير معترف به؛ ولذلك فإن هذا المنزل يُعد قانونيًا بلا مالك وخاليًا. ولليهود الحق في الاستيطان في العقارات التي لا مالك لها في الأراضي المحتلة!

وبحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن رئيس الوزراء البريطاني الذي استقال الأسبوع الماضي، كير ستارمر، صحح إلى حد كبير النهج السياسي الذي كان الرئيس السابق لحزب العمال جيريمي كوربن يحاول اتباعه، لكن الحكومة البريطانية لا تزال تمارس سياسات «معادية للسامية»! ويكتب المعلقون الإسرائيليون أن خطأ ستارمر يكمن في أنه لا يعترف بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، وأن رئيس الوزراء الجديد آندي بورنهام سيعوض هذا النقص.

كما نشر نتنياهو رسائل ترحيب مطولة بقدوم بورنهام، وأعلن أنه ينتظر دعمًا راسخًا من بريطانيا. أما بورنهام، ففي أول خطاب له إلى الأمة، فقد تعهد بمنع جميع الاعتداءات على اليهود بشكل كامل، من دون أن ينطق بكلمة واحدة عن الاحتلال غير الإنساني أو عن الإبادة الجماعية المستمرة في غزة رغم ما يسمى بوقف إطلاق النار.

وليس الأمر مقتصرًا على بريطانيا، فهل تتذكرون أي بيان صادر عن أي دولة في أوروبا الغربية (باستثناء إسبانيا)، أو عن مسؤولي الاتحاد الأوروبي، بشأن الضفة الغربية، أو أي إدانة لإسرائيل؟ بل على العكس، ففي اليوم الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة أنها لم يعد لديها ما يكفي من الأسلحة والذخائر لتزويد إسرائيل بها، وافق المستشار الألماني فريدريش ميرتس على حزمة مساعدات عسكرية جديدة بقيمة 550 مليون دولار، معلنًا أن «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وأن على جميع الأمم المتحضرة أن تساعد إسرائيل في حماية هذا الحق».

إن صمت أوروبا إزاء المستوطنات غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والجرائم التي تُرتكب بسببها، هو أوضح دليل على مدى جديتها في الحديث عن حل للقضية الفلسطينية! فمنذ أيام التهجير والاحتلال عام 1948 (النكبة)، مرورًا باحتلال الضفة الغربية، ووصولًا إلى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في غزة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فإن الدليل على أن دول أوروبا الغربية ليست جادة في الدفاع عن حل الدولتين، الذي يعني إنهاء الاحتلال، هو أنها، باستثناء إسبانيا، لا تعترف بوجود فلسطين دولةً مستقلة.

ويعرض تقرير دائرة العمل الخارجي الأوروبي، التي تقوم فعليًا بدور وزارة خارجية الاتحاد الأوروبي، والصادر في 17 يوليو/تموز، بالتفصيل الإجراءات الإسرائيلية التي تمثل اعتداءً صريحًا على الحقوق الفلسطينية، ويؤكد أن الاستيطان اليهودي ليس مجرد توسع ديموغرافي، بل هو مشروع إسرائيلي متكامل. أي إن الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، تشير إلى المستوى الذي وصل إليه اغتصاب الأراضي وعنف المستوطنين، لكن الاتحاد الأوروبي لا يحرك ساكنًا إزاء ذلك.

فهل يمكن القول إن الولايات المتحدة وحدها هي المسؤولة عن هذا الاستعمار المسلح؟

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس