ترك برس

يرى المحلل الاستراتيجي التركي الدكتور عثمان غازي كاندمير أن مشروع رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، المعروف باسم عقيدة «أرمينيا الحقيقية»، لا يمثل مجرد تعديل في الخطاب السياسي، بل محاولة لإعادة تعريف هوية الدولة الأرمينية وعلاقتها بتاريخها وجغرافيتها ومستقبلها الإقليمي.

وفي مقاله لموقع «إندبندنت تركية»، يشير كاندمير إلى أن الهوية السياسية لأرمينيا المستقلة منذ عام 1991 قامت على تداخل مفهوم الدولة القائمة ضمن حدودها الحالية مع فكرة «أرمينيا التاريخية»، وهي فكرة تتجاوز جغرافيا جمهورية أرمينيا المعاصرة لتشمل، في التصور القومي الأرميني، مناطق مختلفة برزت في مراحل تاريخية متعددة، بينها أجزاء من شرق الأناضول وقره باغ.

وبحسب الكاتب، فإن هذا التصور جعل مهمة الدولة الأرمينية لا تقتصر على حماية أراضيها الحالية، بل ترتبط أيضا بفكرة تحقيق «العدالة التاريخية»، فيما شكلت قضية ضم قره باغ إلى أرمينيا والحفاظ على ذاكرة أحداث عام 1915 في صلب السياسة الوطنية جزءا من هذه الرؤية.

ويلفت كاندمير إلى أن إعلان استقلال أرمينيا الصادر عام 1990 وفر أساسا قانونيا مهما لهذا التوجه، إذ تضمن إشارات إلى «أرمينيا الغربية» وقرار عام 1989 المتعلق بوحدة أرمينيا السوفييتية وقره باغ. كما أحال الدستور الأرميني لعام 1995 في مقدمته إلى إعلان الاستقلال، الأمر الذي أسس، بحسب الكاتب، صلة دستورية بين التصور التاريخي للوطن والدولة الأرمينية القائمة.

من «أرمينيا التاريخية» إلى «أرمينيا الحقيقية»

ويرى كاندمير أن باشينيان يحاول اليوم فك هذا الارتباط، عبر مفهوم «أرمينيا الحقيقية» الذي يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الوطن لا يتمثل في الجغرافيا التاريخية المتخيلة، بل في جمهورية أرمينيا المعترف بها دوليا ضمن حدودها الحالية.

ويعتبر الكاتب أن شعار باشينيان القائل إن «الوطن هو الدولة» يستهدف نقل المرجعية الأساسية للقومية الأرمينية من التاريخ والجغرافيا الممتدة إلى الدولة وحدودها القائمة. ففي التصور السابق، كانت الدولة تُنظر إليها باعتبارها ممثلة للوطن التاريخي، بينما يجعل النموذج الجديد الذاكرة التاريخية خاضعة لأولويات الدولة ومصالحها.

ومن شأن هذا التحول، بحسب كاندمير، أن يغير مفهوم الأمن القومي الأرميني أيضا، بحيث لا يعود مرتبطا بأهداف تاريخية تقع خارج الحدود، بل بحماية الأراضي المعترف بها دوليا. وفي هذا الإطار، يمكن تقديم السلام مع تركيا وأذربيجان باعتباره وسيلة لتعزيز أمن الدولة، لا تنازلا عن القضايا الوطنية.

ويشرح الكاتب أن باشينيان يعبر عن هذا التحول من خلال التمييز بين «الجمهورية الثالثة» و«الجمهورية الرابعة». فالجمهورية الثالثة التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كانت، وفق هذا التصور، دولة تشكلت هويتها إلى حد كبير تحت تأثير صراع قره باغ، بينما ينبغي للجمهورية الرابعة أن تقوم على السلام والسيادة والتنمية الاقتصادية والشرعية الدولية.

ويرى كاندمير أن هزيمة أرمينيا في حرب قره باغ عام 2020، ثم استعادة أذربيجان سيطرتها على الإقليم في سبتمبر/أيلول 2023، وفرتا الأرضية السياسية لهذا التحول، إذ أضعفتا الافتراضات التي قامت عليها السياسة الأرمينية السابقة. ويخلص إلى أن باشينيان يحاول تحويل نتائج الهزيمة إلى مبرر لبناء فلسفة جديدة للدولة.

جبل آرارات.. صراع رمزي حول معنى الوطن

ويعتبر الكاتب أن الجدل حول جبل آرارات يعكس جوهر الصراع بين التصورين القديم والجديد للهوية الأرمينية. فجبل آرارات يعد أحد أبرز رموز الذاكرة الوطنية الأرمينية، لكنه يقع داخل الأراضي التركية، بينما يقارن باشينيان بينه وبين جبل أراكاتس الواقع داخل أرمينيا.

وبحسب كاندمير، فإن القضية لا تتعلق بجغرافيا الجبال بقدر ما تعكس سؤالا سياسيا أعمق: هل يُعرّف الوطن من خلال حدود الدولة الحالية أم من خلال الجغرافيا التاريخية التي تقع خارجها؟

ويشير إلى أن تقليص استخدام رمز جبل آرارات في الوثائق الرسمية وجوازات السفر يمثل أحد المظاهر الرمزية لهذه السياسة، لكنه يرى أن التحدي الذي يواجه باشينيان لا يقتصر على المعارضة السياسية داخل أرمينيا، بل يمتد إلى الشتات الأرميني المنتشر حول العالم.

الشتات.. التحدي الأكبر أمام مشروع باشينيان

يصف كاندمير الشتات الأرميني بأنه أحد أهم حاملي فكرة «أرمينيا التاريخية» سياسيا وثقافيا. ويشير إلى أن المجتمعات الأرمينية المنتشرة في أكثر من مئة دولة ليست مجرد متابع خارجي للتحولات الجارية في يريفان، بل تمتلك القدرة على التأثير في السياسة الأرمينية وفي الرأي العام الدولي.

ويلفت الكاتب إلى مؤتمر «التعبئة الوطنية للشتات» الذي عقد في باريس يومي 11 و12 أبريل/نيسان 2026، بمشاركة أكثر من 150 ناشطا وسياسيا ورجل دين وأكاديميا من 26 دولة. وكان من بين القضايا المطروحة تشكيل موقف موحد للشتات تجاه حكومة باشينيان، فضلا عن أفكار تتعلق بزيادة مشاركة الشتات في الانتخابات الأرمينية وإنشاء «برلمان أرميني للشتات».

ويرى كاندمير أن هذه التطورات تكشف حدود مشروع «أرمينيا الحقيقية»، إذ يحاول باشينيان حصر تعريف الأمة والدولة ضمن حدود الجمهورية الحالية، في حين يواصل قطاع مهم من الشتات تعريف الهوية الوطنية الأرمينية خارج تلك الحدود.

ومن منظور تركي، يرى الكاتب أن ابتعاد يريفان دستوريا عن المطالبات التاريخية بالأراضي لا يعني بالضرورة انتهاء نشاط المنظمات الأرمينية في الولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى، خاصة في ما يتعلق بملفات أحداث عام 1915 والحفاظ على الرواية التاريخية الأرمينية عبر العمل السياسي واللوبيات الدولية.

وبالتالي، يؤكد أن نجاح مشروع «أرمينيا الحقيقية» لن يعني بالضرورة إزالة جميع الخلافات بين تركيا وأرمينيا، لأن المجال الدستوري للدولة الأرمينية يختلف عن المجال الذي تنشط فيه منظمات الشتات في السياسة الدولية.

أذربيجان والدستور الجديد

ويتوقف الكاتب عند موقف أذربيجان من مشروع الدستور الأرميني الجديد، مشيرا إلى أن باشينيان يقدم العملية الدستورية باعتبارها قضية داخلية، بينما تنظر إليها باكو باعتبارها أحد شروط التوصل إلى اتفاق سلام نهائي.

ويشير كاندمير إلى تصريحات وزير الخارجية الأذربيجاني جيهون بيراموف في 9 سبتمبر/أيلول، التي قال فيها إن بلاده تنتظر استكمال أرمينيا عملية إعداد دستورها الجديد قبل النظر في التوقيع النهائي على اتفاق السلام.

ويرى الكاتب أن هذا الموقف يجعل مشروع «أرمينيا الحقيقية» أكثر تعقيدا من الناحية السياسية، لأنه يجمع بين عملية مراجعة داخلية للهوية الأرمينية بعد خسارة قره باغ، وبين متطلبات خارجية مرتبطة بإبرام سلام دائم مع أذربيجان.

ويحذر كاندمير من أن ينظر قطاع من المجتمع الأرميني إلى تعديل الدستور باعتباره تنازلا فُرض تحت ضغط أذربيجان، بدلا من كونه خيارا وطنيا حرا. ويرى أن مثل هذا التصور قد يضعف شرعية الاستفتاء ويحول قضية الهوية الوطنية إلى مصدر جديد للانقسام.

الاستفتاء.. الاختبار الحقيقي لـ«أرمينيا الحقيقية»

ويرى الكاتب أن الاختبار الحقيقي لمشروع باشينيان سيكون في الاستفتاء الدستوري. ووفقا للخطة المطروحة، يفترض استكمال إعداد الدستور الجديد خلال عام 2026 وإجراء الاستفتاء في عام 2027.

ويشير إلى أن إقرار التعديل الدستوري يتطلب موافقة أكثر من نصف المصوتين، على أن تمثل الأصوات المؤيدة ما لا يقل عن 25 بالمئة من إجمالي الناخبين المسجلين.

ويرى كاندمير أن حصول حزب «العقد المدني» بزعامة باشينيان على 49.75 بالمئة من الأصوات في انتخابات 7 يونيو/حزيران 2026 يوفر للحكومة أرضية سياسية قوية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الناخبين منحوا تفويضا مباشرا لإقرار دستور يقوم على عقيدة «أرمينيا الحقيقية».

فالناخب الأرميني، بحسب الكاتب، اتخذ قراره الانتخابي بناء على مجموعة واسعة من الملفات، بينها الاقتصاد والأمن والعلاقات مع روسيا والتوجه نحو الغرب، وليس فقط على أساس التخلي عن فكرة «أرمينيا التاريخية».

ومن هنا يطرح كاندمير السؤال المحوري: هل تخلّى المجتمع الأرميني بالفعل عن مفهوم «أرمينيا التاريخية»، أم أنه منح باشينيان دعما لسياساته المتعلقة بالسلام والدولة دون أن يتخلى بالضرورة عن التصورات التاريخية للهوية الوطنية؟

ويرى أن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل المشروع. فإذا أُقر الدستور الجديد، فستشهد أرمينيا تحولا كبيرا في تعريف الدولة، حيث ستصبح الدولة أقل ارتباطا بتمثيل جغرافيا الماضي وأكثر ارتباطا بحماية الحدود الحالية والمواطنين.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى تركيا؟

وبحسب الكاتب، فإن نجاح هذا التحول يمكن أن يقلل من بعض المخاوف القانونية الأساسية لدى تركيا، إذا تبنت أرمينيا بشكل واضح دستورا يقوم على احترام حدودها الحالية ويستبعد المطالبات التاريخية بالأراضي من الإطار الدستوري.

لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن المسألة لا تنتهي عند حدود العلاقة التركية الأرمينية، إذ يبقى موقف الشتات الأرميني ومطالب أذربيجان عاملين مؤثرين في مستقبل المشروع.

ويخلص كاندمير إلى أن معركة باشينيان الحقيقية لن تكون فقط مع المعارضة السياسية أو مع النصوص الدستورية، بل مع سؤال أعمق يتعلق بمن سيكون صاحب «أرمينيا الحقيقية» الجديدة: هل سيتبناها المجتمع داخل أرمينيا؟ وهل سيقبل بها الشتات الأرميني؟ وهل سينظر إلى التغيير الدستوري باعتباره اختيارا وطنيا حرا أم نتيجة لضغوط إقليمية؟

وبحسب الكاتب، فإن مستقبل عقيدة «أرمينيا الحقيقية» سيتحدد من خلال الإجابات التي سيقدمها المجتمع الأرميني عن هذه الأسئلة، وهو ما يجعل الاستفتاء المرتقب اختبارا ليس فقط لحكومة باشينيان، بل لهوية الدولة الأرمينية ومستقبل علاقاتها مع تركيا وأذربيجان والمنطقة بأسرها.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!