ترك برس

تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، تأثير فشل محاولة الانقلاب في تركيا في 15 يوليو/تموز 2016 على موازين القوى في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، مستعرضا كيف أسهم الحفاظ على الحكم المدني واستقرار مؤسسات الدولة في تعزيز الدور الإقليمي لتركيا. 

يناقش الكاتب التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية التركية بعد الانقلاب، ولا سيما في ملفات سوريا وليبيا وشرق المتوسط والعراق، ويبين كيف انعكس ذلك على التوازنات الإقليمية، معتبراً أن إحباط الانقلاب شكّل نقطة تحول ساعدت أنقرة على ترسيخ حضورها الإقليمي وتعزيز قدرتها على التأثير في قضايا المنطقة.

وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة الشرق القطرية:

في 15 يوليو 2016، شهدت تركيا محاولة انقلابية نفذها عناصر موالية لفتح الله غولن، كانت قد تغلغلت داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية. واستهدفت المحاولة إسقاط الحكومة المدنية المنتخبة والإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان. إلا أن تحرك الشعب وتكاتف مؤسسات الدولة والقيادة السياسية أسهما في إفشالها. وقد وقعت هذه الأحداث في مرحلة كان الشرق الأوسط يشهد فيها انقلابات وحروبًا أهلية وموجات من الهجرة وعدم الاستقرار. لذلك لم تقتصر أهمية فشل الانقلاب على الداخل التركي، بل كانت له انعكاسات إقليمية واسعة. فقد حافظت تركيا على استقرارها السياسي ومؤسساتها في بيئة إقليمية مضطربة. كما عززت خلال السنوات التالية حضورها وتأثيرها في قضايا الشرق الأوسط مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وعلاقاتها الدبلوماسية.

سنناقش في هذا المقال كيف أثّرت محاولة الانقلاب الفاشلة خلال السنوات العشر الماضية في موازين القوى في الشرق الأوسط. فقبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، كانت تركيا أضعف نسبيًا وأقل اهتمامًا بقضايا المنطقة، بينما أصبحت اليوم لاعبًا بارزًا في سياسات الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية. وقد وقعت محاولة الانقلاب في مرحلة كانت فيها تركيا تسعى داخليًا إلى تعزيز استقلالها الاقتصادي والسياسي والعسكري، في حين جاءت خارجيًا في سياق إقليمي شهد سلسلة من الانقلابات والاضطرابات التي أعقبت الربيع العربي.

لذلك، كان لفشل محاولة الانقلاب تداعيات مهمة على موازين القوى في المنطقة، وعلى أنماط التحالفات والسياسات الأمنية. فقد اتجهت تركيا، في ظل استمرار الحكم المدني، إلى تبني سياسة أكثر فاعلية وارتباطًا بالميدان في عدد من ساحات الأزمات، مثل شرق المتوسط، وسوريا، والعراق، وليبيا. وتُعد سوريا من أبرز الملفات التي ظهرت فيها بوضوح ملامح التحول في السياسة الخارجية التركية بعد 15 يوليو/تموز. فبعد محاولة الانقلاب مباشرة، أعطت أنقرة أولوية أكبر لأمن الحدود ومكافحة الإرهاب. كما أن بعض الضباط المرتبطين بجماعة غولن كانوا قد سعوا في السابق إلى عرقلة تقديم الدعم للمعارضة السورية، وهو ما جعل إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد فشل الانقلاب تنعكس بصورة مباشرة على السياسة التركية تجاه الأزمة السورية.

بعد محاولة الانقلاب، خاضت تركيا مواجهة أكثر فاعلية ضد كل من تنظيم داعش وحزب العمال الكردستاني، كما نفذت عمليات عسكرية على حدودها الجنوبية لمنع وقوع شمال سوريا تحت سيطرة حزب العمال الكردستاني. وإلى جانب دعمها للمعارضة السورية منذ بداية الأزمة، سعت أنقرة خلال مسار أستانة إلى منع التعامل مع هيئة تحرير الشام، بقيادة أحمد الشرع، باعتبارها مجرد تنظيم إرهابي ينبغي استبعاده من قبل روسيا وإيران. وقد أسهم ذلك في إبقاء قنوات الحركة أمام المعارضة السورية مفتوحة، إلى أن تمكنت لاحقًا، بقيادة الشرع، من استعادة السيطرة على البلاد. وبطبيعة الحال، يعود الفضل الأكبر في ذلك إلى أحمد الشرع والشعب السوري، إلا أن وجود حلفاء داعمين مثل تركيا وقطر شكّل عاملًا مهمًا في تعزيز فرص المعارضة السورية وتحسين موقعها السياسي والميداني.

أما في ليبيا، فقد ظهر أثر محاولة انقلاب 15 يوليو في تبنّي تركيا سياسة أكثر حزمًا في شرق المتوسط وشمال أفريقيا. وأسهم تعاونها السياسي والعسكري مع الحكومة الليبية الشرعية في منع محاولات الانقلاب ودعم الاستقرار، كما عزز موقع تركيا في قضايا ترسيم الحدود البحرية والتنافس على الطاقة والنفوذ الإقليمي.

وفي المحصلة، لو نجح انقلاب 15 يوليو، لكانت تركيا أضعف وأقل تأثيرًا في قضايا الشرق الأوسط، ومنها القضية الفلسطينية، وربما أصبحت أكثر انسجامًا مع السياسات الغربية. لكن فشل الانقلاب عزز دور تركيا الإقليمي، وساهم مع قطر في دعم نهج قائم على السلام والتنمية والتعاون والاستقرار، ولا تزال آثار ذلك ملموسة في المنطقة حتى اليوم.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!