
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
انهار وقف إطلاق النار. فالولايات المتحدة تقصف إيران منذ أيام بصورة عنيفة، وفي المقابل تستهدف إيران القواعد الأمريكية التي تراها أهدافًا مناسبة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ورغم أن اعتبار هذا المشهد استئنافًا للحرب ليس خطأً، فإنه يبقى توصيفًا ناقصًا إلى حد كبير. نعم، لقد عادت الحرب بالفعل، لكنها تشير هذه المرة إلى مرحلة جديدة.
في المرحلتين الأوليين من الحرب بين إيران والثنائي الأمريكي-الإسرائيلي، أي خلال حرب الاثني عشر يومًا وحرب الثمانية والثلاثين يومًا، لم ينجح الطرف المعتدي، الولايات المتحدة وإسرائيل، في تحقيق أهدافه. كان الهدف الأول، بالتزامن مع قصف جوي كثيف، هو القضاء على الشخصيات العليا الموجودة في المواقع الحساسة، وفي مقدمتها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وإشعال انتفاضة داخلية كبرى تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني. وبعد ذلك كان من المقرر الدخول إلى إيران والقضاء على برنامجها النووي ومخزونها من الصواريخ. لكن النتيجة كانت فشلًا ذريعًا. نعم، تعرضت إيران لدمار كبير، إلا أن الشعب الإيراني، متجاوزًا حتى الاستقطابات السياسية فيما بينه، توحد بفعل الألم الكبير ومشاعر الكراهية المتصاعدة تجاه العدو. أما الذين قُتلوا فقد حل محلهم آخرون على الفور.
لنتوقف هنا قليلًا. فالولايات المتحدة وإسرائيل لم تكتفيا بعدم تحقيق أهدافهما، بل أفضى الأمر إلى نتيجة معاكسة تمامًا. أولًا، جرى إحياء النظام الإيراني الذي كان قد شاخ وضعفت مكانته لدى الشعب، ومنحه دفعة جديدة أعادته إلى الحياة بقوة. ثانيًا، دفنتا آمالهما في الوصول إلى اليورانيوم الإيراني المخصب. فقد جرى توزيع هذه المواد على رقعة جغرافية واسعة ذات تضاريس جبلية، ثم اختفت تمامًا عن الأنظار. أما المنشآت المدفونة في أعماق الجبال فلم تتعرض إلا لأضرار محدودة للغاية. ثالثًا، اتضح أن مخزون إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة يكفي لمواصلة حرب أطول بكثير. كما رفعت إيران، بدعم سيبراني وفضائي من روسيا والصين، من نسبة إصابة ضرباتها يومًا بعد يوم. وخلاصة القول إن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تفعلا في المرحلتين الأوليين من الحرب سوى تقوية خصمهما أكثر فأكثر. وفي المقابل تعرضتا هما نفسيهما لدمار كبير. ولا تزال إسرائيل تفرض التعتيم، إلا أن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تسببت في خسائر تفوق بكثير ما أُعلن عنه. أما الولايات المتحدة فقد شهدت كارثة حقيقية في الخليج، إذ لم تبقَ قاعدة لها إلا وتعرضت للقصف. وكان السبب الوحيد الذي دفع الدول العربية الخليجية إلى الخضوع للولايات المتحدة حتى اليوم هو حمايتها لها من الخطر الإيراني، وكانت القواعد الأمريكية في الخليج تمثل ضمانة لذلك. لكن بعد تعرض تلك القواعد للقصف، فقد هذا السيناريو مصداقيته وانهار. وإضافة إلى ذلك، تلقت الحياة المزدهرة والمترفة في دول الخليج ضربة قاسية، فتوقفت قطاعات عديدة، وفي مقدمتها السياحة، عن العمل، وبدأت الاستثمارات بالانسحاب، كما بدأ أصحاب الثروات بمغادرة الخليج.
وفي حرب الثمانية والثلاثين يومًا، خطت إيران خطوة إضافية بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية، ثم أعلنت أن العبور بعد ذلك سيكون مقابل رسوم. وكان وقف إطلاق النار، وإن لم يكن بصورة مباشرة، يشير ضمنيًا إلى انتصار إيران. واضطر ترامب، بعد أن ضاق به الحال، إلى توقيع المذكرة التي كانت الغالبية الساحقة من بنودها تصب في مصلحة إيران.
وكان من الواضح منذ البداية أن وقف إطلاق النار لن يصمد، إذ بدا من المستحيل على الطرفين تقبله. ولننظر أولًا إلى الأمر من زاوية الولايات المتحدة. فلو طبق ترامب وقف إطلاق النار بالكامل، لدخل انتخابات نوفمبر المقبلة، وهي بالغة الأهمية بالنسبة إليه، وهو في وضع ضعيف. فقد شهدت قاعدة حركة «ماغا» تراجعًا بنحو 15 في المئة، وهذه النسبة تمثل الشريحة المناهضة للحرب التي يتحدث باسمها أشخاص مثل تاكر كارلسون. أما الديمقراطيون فيقودون معارضة متشددة للغاية. وبعد انتخابات نوفمبر قد يتحول ترامب إلى «بطة عرجاء»، بل وقد يواجه حتى خطر العزل. ومن جهة أخرى، فإن إغلاق مضيق هرمز انعكس على المستهلك الأمريكي في صورة تضخم، الأمر الذي أدى إلى اتساع موجة الاستياء داخل الرأي العام الأمريكي. كما بدأت الولايات المتحدة باستخدام احتياطياتها لتعويض الأضرار الاقتصادية الناجمة عن تراجع إمدادات الطاقة، واستنزفت جزءًا كبيرًا منها. وفي المقابل حاولت تصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر، لكن إيران ردت من خلال هجوم نفذه الحوثيون في اليمن، حيث تعرضت السفن السعودية للقصف، وبرز احتمال إغلاق باب المندب. كما تقرر تشغيل خط كركوك-بانياس بين سوريا والعراق، متجاوزًا خط كركوك-جيهان الخاص بنا. ولا يمكن التنبؤ بما قد يحدث لهذا الخط، لكن كل شيء قد يحدث هناك في المستقبل القريب. والواضح تمامًا أن أي طرق بديلة يمكن أن تحل محل مضيق هرمز قد تصبح هدفًا لإيران في أي لحظة.
أما إسرائيل فقد بقيت خارج المفاوضات، ورفضت وقف إطلاق النار من أساسه، وأقدمت، وقد أغمضت عينيها عن العواقب، وعلى خلاف رغبة الولايات المتحدة، على مهاجمة لبنان. وكان أحد البنود الرئيسية في المذكرة يقضي بانسحاب إسرائيل من لبنان، لكنها لم تلتزم بذلك إطلاقًا. وخلاصة الأمر أن وقف إطلاق النار أحدث شرخًا بين الحليفين.
ورغم أن بنود وقف إطلاق النار كانت تصب في مصلحة إيران، فإن الرأي العام الإيراني لم يكن راضيًا، إذ كان يرى أن الثأر لمقتل مرشدهم الأعلى لم يُؤخذ بعد. وخلاصة القول إن اجتماع هذا العامل مع عوامل أخرى مشابهة أدى إلى تصاعد التوتر مجددًا، فأعلن ترامب، خلال قمة أنقرة، انتهاء وقف إطلاق النار وأعاد إطلاق الحرب من جديد.
نحن الآن أمام مرحلة مختلفة تمامًا. فالحرب تتصاعد، ويتسع نطاقها، وتتغير طبيعتها. وحتى الآن كانت الولايات المتحدة تواصل قصفها الجوي، لكن هذه المرة بنية مختلفة تمامًا. فقد قررت الولايات المتحدة تنفيذ عملية برية واسعة النطاق، ومن المرجح أن تقوم بها عبر عدة محاور. ففي الشمال ستسعى، عبر العراق، إلى ربط الوحدات الكردية بعناصر «بيجاك»، ومحاولة السيطرة على جزء من الأراضي داخل إيران. كما ستسعى، بمشاركة دول الخليج وربما بعض دول حلف شمال الأطلسي، إلى تنفيذ إنزال عسكري على السواحل الإيرانية في الخليج. وكما يشير بعض الخبراء العسكريين، فإن الضربات التي نُفذت حتى الآن كانت تهدف إلى تليين المناطق التي سيجري فيها الإنزال.
ترامب يخوض مقامرة جديدة، لكنه على الأرجح لم يعد يملك خيارًا آخر. فهو يريد دخول انتخابات نوفمبر وهو يحمل، بأي صورة كانت، بشرى انتصار. والطريق إلى ذلك يمر عبر السيطرة على جزء من الأراضي الإيرانية. وهذا سيضمن ولاء 85 في المئة من قاعدة «ماغا»، وقد يجذب إليه أيضًا جزءًا من الـ15 في المئة المتبقين. وإذا نجح في هذه المحاولة، فلن يبقى سوى أمر واحد، وهو تنفيذ إيران نفسها، أو تحميلها بسهولة مسؤولية، عملية إرهابية كبرى تحت وطأة الضغوط. وعندئذ ستصبح فرص فوزه في انتخابات نوفمبر كبيرة للغاية. أما إذا أخفق في عمليته البرية، فلن يستطيع أحد إنقاذه.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مواضيع أخرى للكاتب
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













