
ترك برس
يرى الكاتب التركي تورغاي يرلي قايا، في مقال بصحيفة «يني شفق»، أن التوتر المتصاعد بين الصين والغرب، ولا سيما بين بكين وواشنطن، يقدم للعالم تجارب لافتة حول طبيعة الصراع بين القوتين العظميين، حيث يجمع هذا الصراع، بحسب الكاتب، بين علاقات الاعتماد المتبادل من جهة، والتنافس والخصومة من جهة أخرى.
ويشير يرلي قايا إلى أن ساحات الصراع بين الولايات المتحدة والصين تحمل تبعات كبيرة على بقية دول العالم. فواشنطن تحاول الحد من النفوذ الصيني عبر سياسات حمائية تظهر في صورة حواجز جمركية وحروب تجارية، إلى جانب محاولات تطويق مرتبطة بممرات الطاقة، مثل هرمز وفنزويلا. أما في مجال التكنولوجيا، فيتجلى الصراع، وفق الكاتب، في محاولات إضعاف تطبيق «تيك توك» بدعوى تهديده للأمن القومي، فضلاً عن المنافسة الشرسة في مجالي الذكاء الاصطناعي والفضاء.
ويرى الكاتب أن تحديد الطرف الذي سيخرج منتصراً من سباق القوة المادية بين البلدين لا يزال موضع جدل. فبينما يعتقد البعض، ومن بينهم إيلون ماسك، أن الصين قد تتفوق بالنظر إلى قدراتها في مجال الطاقة وإنتاج الرقائق، يرى آخرون أن الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على تفوقها بفضل الشركات العملاقة المهيمنة على سوق الذكاء الاصطناعي وقطاع الحوسبة، إلى جانب إمكانية استخدام تدخلات مبكرة للحد من صعود الصين. إلا أن يرلي قايا يؤكد أن هذا الصراع، الذي ترتفع كلفته بالنسبة إلى الأطراف الثالثة، يفرض على القوتين العظميين الاعتماد ليس فقط على قدراتهما المادية، وإنما أيضاً على أدوات القوة الناعمة.
القوة الناعمة
يستعرض الكاتب تجربة الولايات المتحدة في مجال القوة الناعمة، مشيراً إلى أن الاستثمارات التي قامت بها واشنطن على مدى عقود في المجتمعات غير الغربية بهدف مواجهة النفوذين السوفيتي والصيني تمثل أبرز الأمثلة على استخدام هذه القوة. ويذكر في هذا السياق «مكتب حرب المعلومات» الذي أُنشئ خلال الحرب العالمية الثانية، وقنوات إعلامية مثل «صوت أمريكا»، فضلاً عن الاتصالات الثقافية التي أُقيمت عبر برنامج «فولبرايت»، مع الإشارة إلى بحث ليرنر حول منطقة باغلار في أنقرة.
ويضيف أن أدوات التأثير الدولي مثل هوليوود والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) تكشف بوضوح حجم الأدوات التي يمكن لدولة عظمى أن تطورها في مجالات مختلفة. ويعتبر الكاتب أن التأثير العالمي الذي كانت تتمتع به USAID، والتي قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفكيكها، يمثل بحد ذاته مثالاً مهماً. كما يؤكد أن الولايات المتحدة لم تستخدم هذه الأدوات لتعزيز صورتها وانطباع العالم عنها فحسب، بل وظفتها أيضاً لزيادة نفوذها في مناطق مختلفة من العالم، بل واستخدمتها في بعض الأحيان كأدوات للتدخل في السياسة الداخلية للدول المعنية.
في المقابل، يقول يرلي قايا إن العالم يواجه في السنوات الأخيرة صعود الصين ومحاولتها الانفتاح على العالم عبر أدوات متعددة، وإن لم يكن ذلك بالسرعة نفسها التي تحركت بها الولايات المتحدة. ويرى أن الطريقة التي تستخدم بها بكين الدبلوماسية العامة تستحق دراسة خاصة، ولا سيما في تركيا. ويشير إلى أن الصين دأبت خلال السنوات الأخيرة على دعوة صحفيين وأكاديميين وشخصيات من مراكز بحثية وفكرية تركية إلى الصين، حيث تقدم لهم رواية محددة عن الصين.
ويشير الكاتب، عند النظر بصورة أعمق إلى هذه السياسة، إلى أن الصين لا تكتفي بمعاهد كونفوشيوس، وإنما تسعى إلى إقامة تعاون وثيق مع الدول التي تريد التواصل معها، وتقديم رواية صينية «معقولة ومخططة» لها. كما أنها لا تتعامل مع مبادرة الحزام والطريق باعتبارها مجرد طريق تجاري، بل تحاول التغلغل في هذا المجال من خلال التعاون الإعلامي والثقافي، فيما باتت في الآونة الأخيرة تعتمد بصورة مكثفة على الدبلوماسية الإعلامية الرقمية.
ويرى يرلي قايا أن الرواية التي تقدمها الصين من خلال صناع المحتوى والمؤثرين الرقميين تكشف بعض الحقائق بصورة مباشرة، لكنها في الوقت نفسه تشعر بالحاجة إلى إخفاء بعض الحقائق الأخرى. ويعتبر أن هذا الجانب يصبح أكثر أهمية عند تناول المناطق التي يعيش فيها الأويغور، إذ تؤثر طبيعة الرواية الصينية المقدمة هناك بصورة كبيرة في الطريقة التي يتم بها نقل القصة إلى الخارج.
ويشير الكاتب إلى أن الضيوف الذين تتم دعوتهم إلى تلك المناطق ويخضعون لجولات منظمة وتحت إشراف مرشدين، تكون انطباعاتهم حول ممارسات حياة الأتراك، وفي مقدمتها حرية العبادة، في حدود ما يتم نقله إليهم والسماح لهم برؤيته. ويؤكد أن زيارة صحفي أو أكاديمي إلى دولة بدعوة منها ورغبته في التعرف على أشياء جديدة عنها ليست مشكلة بحد ذاتها، وإنما تكمن المشكلة الأساسية، بحسب رأيه، في نقل كل المعلومات التي تقدم إليهم من دون إخضاعها لأي نوع من التصفية أو التحقق.
ويحذر يرلي قايا من أن تداول هذا النوع من المعلومات بصورة غير منقحة يمكن أن يؤدي مع مرور الوقت إلى تكوين تأثيرات معينة. ويرى أن بعض الأشخاص قد يتحولون إلى ناقلين «ساذجين ومتحمسين» للرواية التي عاينوها خلال هذه الزيارات المنظمة، بينما قد يتحول آخرون بصورة مباشرة إلى أدوات للتأثير.
ويستشهد الكاتب في هذا السياق بمثال المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي الذين نُقلوا خلال عهد بشار الأسد إلى سوريا، وتحولوا، مقابل مبالغ مالية معينة، إلى ممثلين طوعيين لرواية النظام حول «سوريا الآمنة». ويقول إن هذا المثال لا يزال حاضراً بقوة في الذاكرة، ولذلك ينبغي التعامل بحذر أكبر مع الزيارات المنظمة التي تنظمها الدول، والتعامل معها باعتبارها جزءاً محتملاً من أدوات الدبلوماسية العامة والتأثير، لا مجرد رحلات للتعرف على الواقع المحلي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











