
ترك برس
يرى الكاتب التركي ياسين أقطاي، في مقال بصحيفة «يني شفق»، أن التطورات المتلاحقة خلال الأيام الأخيرة على خط العلاقات بين إسرائيل وتركيا تحمل، من وجهة نظره، مؤشرات على اقتراب إسرائيل من «كارثة» بسبب سياستها التصعيدية في المنطقة، معتبراً أن إسرائيل باتت «تستفز» تركيا من خلال توسيع نطاق تحركاتها العسكرية وخطابها العدائي.
ويقول أقطاي إن إسرائيل تبرر تحركاتها بالحديث عن الأمن والتهديدات، لكنها سرعان ما تنتقل إلى موقف أكثر توسعاً يقوم على رفض وجود أي قوة إقليمية يمكن أن تشكل تهديداً لها مستقبلاً، وهو ما يدفعها، بحسب الكاتب، إلى تجاوز حدود العدوانية في كل مرة بدرجة جديدة. وفي هذا السياق، يستشهد أقطاي بتصريحات ضابط الاستخبارات السابق في مشاة البحرية الأميركية ومفتش الأسلحة السابق في الأمم المتحدة سكوت ريتر، الذي حذر إسرائيل من مغبة الدخول في مواجهة مع تركيا، قائلاً إن إيران تستطيع إطلاق صواريخ على إسرائيل، لكن تركيا قادرة على حشد فرق عسكرية على الحدود السورية، مضيفاً أن «الإسرائيليين لا يريدون خوض حرب مع الأتراك».
ويشير الكاتب إلى أن ريتر استدل على طبيعة المقاتل التركي بشخصية عمر خالص دمير وبأمثلة من أداء اللواء التركي في الحرب الكورية، مؤكداً أن الأتراك يقاتلون ولا يخافون الموت. ويرى أقطاي أن ما جعل ريتر يعتبر الأتراك قوة يصعب مواجهتها موجود بدرجة أكبر لدى الشعب الفلسطيني في غزة، مستشهداً بالمقاومة الفلسطينية وكتائب القسام، التي يقول إنها استطاعت، رغم عدم التكافؤ في القوة، إحراج إسرائيل وكشف «وحشيتها» و«طابعها اللاإنساني» أمام العالم.
ويربط أقطاي بين الشعبين التركي والفلسطيني من الناحية التاريخية والروحية، معتبراً أن جذورهما ليست بعيدة عن بعضها، ويذكّر بأن غزة وقونية، ورفح ويوزغات، كانت قبل قرن واحد فقط أجزاء متقابلة من الجسد نفسه. ويقر الكاتب بأن إسرائيل ربما تمكنت من فرض تفوقها بالقوة العسكرية غير المتكافئة في غزة، لكنه يحذر من أن التعامل مع تركيا سيكون مختلفاً، مشيراً إلى وجود ملايين الأتراك الذين، بحسب تعبيره، ينتظرون بصبر أن يتحول غضبهم إلى فعل.
ويعتبر أقطاي أن التحركات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، والنشاط البحري في شرق المتوسط، وتعميق العلاقات الدفاعية بين إسرائيل واليونان، إلى جانب بدء مسؤولين إسرائيليين في وصف تركيا صراحة بأنها قوة ينبغي «الحد منها»، كلها مؤشرات على أن التوتر بلغ مرحلة خطيرة.
ويضع الكاتب الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية في سوريا، في 18 أغسطس/آب، باعتباره إحدى أهم نقاط التحول الأخيرة. ويشير إلى أن القاعدة تقع على مسافة نحو 60 كيلومتراً من الحدود التركية، وأن إسرائيل لم تعد تخفي، بحسب رأيه، أن هدف الهجوم كان منع تركيا من إنشاء وجود عسكري أو منظومات دفاع جوي أو قدرات رادارية في المنطقة.
كما يتوقف أقطاي عند تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي زار جبل الشيخ في الأراضي السورية المحتلة بعد أيام من الهجوم، وقال إن إسرائيل تحركت لمواجهة محاولة تركيا «الاستقرار» في سوريا، وإنها ستواصل اتباع النهج نفسه. ويرى الكاتب أن إسرائيل لم تعد تتحدث هنا عن الدفاع عن حدودها، بل تتصرف وكأن من حقها أن تحدد للدولة السورية طبيعة علاقاتها الأمنية والعسكرية مع تركيا، في محاولة لفرض عقيدة أمنية تقوم، وفق تعبيره، على أن «أمن إسرائيل يعني ضعف جيرانها».
ويعتبر أقطاي أن تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن هجوم أبو الظهور كانت من أكثر التطورات إثارة للقلق. فقد وصف هاكابي الهجوم بأنه «تحذير» لتركيا، مستعيناً بتشبيه من لعبة البيسبول، مفاده أن الرامي يوجه الكرة نحو صدر الضارب إذا اقترب كثيراً، وإذا لم يتراجع فإن الكرة التالية ستكون أقسى. ويرى الكاتب أن استخدام هذا التشبيه في الحديث عن تركيا يحمل دلالة بالغة الخطورة، لأن الأمر يتعلق بدولة عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك واحداً من أكبر الجيوش في المنطقة، فضلاً عن ثقلها التاريخي والثقافي والسياسي.
ويؤكد أقطاي أن القوة التركية، من وجهة نظره، لا تقتصر على العدد أو التكنولوجيا العسكرية، بل تشمل أيضاً ما يسميه «الوعي بالجهاد»، معتبراً أن إسرائيل وحساباتها الاستراتيجية ستكون مخطئة إذا لم تأخذ هذه العوامل في الحسبان.
وفي شرق المتوسط، يرى الكاتب أن التطورات البحرية تعكس بدورها تصاعد التنافس بين البلدين، مشيراً إلى تقارير في الإعلام الإسرائيلي تفيد بأن السفن الحربية التركية أصبحت عاملاً لا تستطيع البحرية الإسرائيلية تجاهله في تحركاتها، وأن الطرفين يراقبان تحركات بعضهما بعضاً بصورة متزايدة. ويؤكد أقطاي ضرورة التعامل بحذر مع التفاصيل التي لم تؤكدها السلطات الرسمية في البلدين بالكامل، لكنه يرى أن هناك شكوكا محدودة بشأن اعتبار إسرائيل لتركيا واحدة من أبرز منافسيها الاستراتيجيين في سوريا وشرق المتوسط، وكذلك في التوازن العسكري المتشكل عبر اليونان.
ويضيف الكاتب إلى هذه الصورة اتفاق «درع أخيل» للدفاع الجوي والصاروخي الذي وقعته إسرائيل مع اليونان بقيمة تقارب 3 مليارات يورو، والذي يشمل منظومات متعددة الطبقات للدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيّرة. وبينما لا يصف الاتفاق رسمياً بأنه موجه مباشرة ضد تركيا، يرى أقطاي أن تسارع التكامل العسكري بين إسرائيل واليونان في شرق المتوسط بات أمراً واضحاً.
وفي المقابل، يلفت الكاتب إلى انعقاد الاجتماع الأول للجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية ضمن اتفاقية الدفاع المشتركة بين تركيا والسعودية وباكستان في إسطنبول، معتبراً أن ذلك يمثل جزءاً من تحول إقليمي لا يمكن اعتباره مصادفة. ويشير إلى تأكيد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الاتفاق ليس موجهاً ضد دولة بعينها، وأن التصور المطروح يقوم على بناء منظومة أمنية إقليمية يمكن أن تنضم إليها دول جديدة.
لكن أقطاي يرى أن رد فيدان كان أكثر حدة عندما سُئل عن الخطاب الإسرائيلي الذي بدأ يصور تركيا بوصفها تهديداً استراتيجياً. وينقل عنه وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه «عدو مشترك للإنسانية والمجتمع الدولي والأمن»، مع تأكيده أن القضية لا تقتصر على خلاف تركي-إسرائيلي ثنائي، بل تتعلق، بحسب فيدان، بعقلية يعتبرها «إبادية» تحيط بنتنياهو وتشكل تهديداً للأمن العالمي.
ويرى أقطاي أن فيدان يميز هنا بين أمرين مهمين، إذ إن الغضب التركي من إسرائيل، في نظره، لا ينطلق من صراع تقليدي على المصالح بين دولتين، وإنما من القطيعة الأخلاقية والإنسانية التي أحدثتها الحرب في غزة. ويؤكد أن إسرائيل، بحسب الكاتب، لم تستوعب حتى الآن عمق هذا التحول، وأن عدم إدراكها له قد تكون له تكلفة كبيرة عليها.
ويشير أقطاي إلى أن المجتمع التركي يحمل منذ اندلاع الحرب في غزة غضباً متراكماً، بسبب مشاهد الأطفال الذين قتلوا أو بُترت أجسادهم، وتجويع المدنيين، وقصف المستشفيات، وتوسيع الاحتلال، وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم. ويرى أن هذه الأحداث خلقت في تركيا ذاكرة جماعية تتجاوز الانقسامات السياسية والحزبية، وأن الحكومة الإسرائيلية تضيف إلى هذا الغضب الشعبي اليوم خطاباً عسكرياً مباشراً يستهدف تركيا نفسها.
وفي ختام مقاله، يستعيد أقطاي تصريحاً شهيراً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال أحداث غيزي عام 2013، عندما تحدث عن وجود «50 بالمئة» من الأتراك الذين قال إنه كان يبقيهم في منازلهم، في إشارة إلى مؤيديه. ويقول الكاتب إن تلك الجماهير باتت، بحسب رؤيته، تنتظر الانفجار في وجه إسرائيل، موجهاً إليها تحذيراً مباشراً: «لا تستفزي تركيا». ويرى أقطاي أن استمرار إسرائيل في التصعيد قد يؤدي إلى نتائج لا تتوقعها، محذراً إياها من الاستمرار في اختبار صبر المجتمع التركي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










